
نواصل فيما يلي تغطية اللقاء الفكري مع الدكتورة ألفة يوسف حول حدود تأويل النص الديني، الذي انعقد في إطار منتدى التقدم بمقر جريدة الوحدة يوم 12 ديسمبر الجاري.
الأستاذ زياد كريشان أشار في مداخلته إلى أنه لا يمكن تناول الدين كنص منزل فقط، لأن الدين لا يصبح دينا إلا بمؤسسة بشرية سواء كانت كنيسة أو كهنوتا غير مؤسس. و لذلك فإن من يمتلك الشرعية الاجتماعية للتأويل ويختص بهذه السلطة هو ما يسمى المؤسسة الدينية وليس كبار المفكرين أو المثقفين، فشيخ بسيط من الأزهر مثلا يزن ما لا يزنه هؤلاء مهما بلغت عبقريتهم وعلمهم، ملاحظا وجود صراع شديد بين المؤسسات الدينية الرسمية من جهة ومن يريد أن يعوض هذه المؤسسات ويفتك شرعيتها من جهة أخرى وهو الذي يسمى عادة بالإسلام الاحتجاجي. أما المثقف فليس من المفيد له أن يأخذ دور رجل الدين لأن المجتمع لا يقر له بهذا الدور. وأكد أهمية المسألة المتعلقة بتنزيل القرآن الذي يفتح اعتبار معانيه إلهية وألفاظه بشرية (أي بحدود الثقافة الإنسانية التي هي ليست حكرا على اللغة العربية) مجالا جديدا في التأويل ليس الديني بل الفكري حيث يصبح عدم التقيد بمنطوق اللفظ مبررا، لأن الجهد البشري مهما توسع في باب التأويل يبقى أسير هذا التنزيل عندما يكون باللفظ والمعنى من الذات الإلهية. ورأى أنه من الخطأ أن يقع الصراع في التأويل على الجزئيات (مثل مسألة الحدود) لأن التفسير الحرفي القائم على بداهة النص هو الذي سينتصر حينها، بينما ترتكز المحاضرة على الفلسفة وعلم النفس واللسانيات... والمطلوب ليس فقط أن يقول المثقف هذا الكلام بل أن تتبنى ذلك التصور العقلاني المؤسسة الدينية وتقطع مع التآويل القديمة في إطار صراع فكري بينها وبين المثقفين والمجتمع المدني لأنها لن تفعل ذلك تلقائيا في بلدنا أو غيره. وهذا ما حدث للكنيسة الكاثوليكية التي أحرجت وأرغمت على تحديث الفكر الكنسي. وأكد أنه لا يمكن لأي دولة في المجتمع العربي الإسلامي اليوم أن تتخلص من المسألة الدينية، لأنها لو تخلت عنها فسوف تأخذها لقمة سائغة قوى أخرى حريصة ومستعدة لاستثمار الدين والحاجة الاجتماعية للتدين، مشيرا إلى أنه لا يمكن أن يقع تحديث الدين في بلد واحد لأن الإسلام يشمل مليار ونصف.
الدكتور الحبيب الجنحاني اعتبر أن أهم سياق في التأويل ليس السياق اللغوي بل السياق التاريخي، متسائلا إلى أي حد في هذه الحالة يمكن أن يصل التأويل عندما ينسجم مع السياق التاريخي المعاصر إلى الآخر؟ فقد نجد في النهاية نصا لا نستطيع تأويله لأنه يكون قد ذاب وغاب نهائيا. كما اعتبر أن عصور الازدهار في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية شهدت طرح قضايا أهم تتعلق بالحكم وأمور السياسة والإمامة والاقتصاد (الخراج...). أما الأسماء التي ذكرتها الدكتورة ألفة يوسف مثل الرازي والزركشي والسيوطي فقد جاءت في عصور متأخرة. ولم يهتم بهذه القضايا ابتداء من القرن التاسع عشر رواد النهضة المنتسبون في أغلبهم إلى المؤسسة الإسلامية بل اهتموا أساسا بالتصدي للحكم الاستبدادي المطلق، وجدد التأكيد على ضرورة السعي إلى فصل الدين عن السياسة وليس فصل الدين عن الدولة. وأعرب عن انزعاجه من إخراج هذه القضايا التي اعتبرها هامشية من حلقات الاختصاص إلى الرأي العام ورأى في ذلك "لعبة خطرة" وإشغالا للناس وجرّا للنخبة المستنيرة و المجتمع المدني إلى معركة قد تكون على حساب نضالات طويلة من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية والتقدم في المجتمع العربي الإسلامي.
الأستاذ الأمين التليلي انتقد ما اعتبره مؤاخذة في محاضرة ألفة يوسف للأوائل لعدم اكتشافهم جوانب الإعجاز العلمي في القرآن متسائلا أين المشكل إذا تدرج التشريع الإسلامي في معالجة قضية مثل الرق والعبيد (عن طريق الكفارات) معتبرا أن التدرج سياسة كونية لا تعيبه، خصوصا وأنه جاء في رأيه ليحرر البشرية جمعاء ويقضي على استعمار البشر للبشر... وذكر بأن عمر بن الخطاب قد خرج عن النص جملة وتفصيلا في أربع مناسبات (حد السرقة، المؤلفة قلوبهم، الزواج بالكتابيات وأراضي الفتوحات) واضعا بذلك حجر الأساس لتأويل لا حد له، ودعا إلى إرساء مبدأ الجرأة في التعامل مع النص الديني، مع اعتبار قاعدة "حيثما تكون المصلحة فثمة شرع الله" لأن الشعوب تهمها المصلحة، وتبقى السلطة مهمة جدا مثلما تم في تونس حين تم منع تعدد الزوجات أما المساواة في الإرث، فيبدو له أنها ما زالت تقلق الرجال الذين يحتلون المراكز العليا في الدولة.

الأستاذ بحري العرفاوي اعتبر أن الدكتورة ألفة يوسف تكاد تذهب إلى اللامعنى أو كأنها من اللاأدرية حين تجزم بأن لا أحد قادر على المسك بمعاني القرآن وأن لا أحد قادر على أن يفتي أوحين تقول بأنها تستحي من الله فلا تفتي ولا تقول بحلال أو بحرام، معربا عن خشيته من أن ننتهي بذلك إلى "رخوانية معرفية" حيث لا وجود لحقيقة ولا وجود لمعنى، وهذا عموما في تقديره خطر معرفي. مذكرا بتعريف للتأويل على أنه صرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر محتمل بدليل، و بأن القول كما يعرفه علي حرب حقل دلالي ومجال لإنتاج المعنى، واستشهد بجان بول سارتر في مقولة حول ضرورة تصويب الكاتب كلماته نحو هدف ما ليتوجه بسؤال غير مباشر إلى ألفة يوسف حول الهدف الذي تريد أن تنتهي إليه في كتاباتها. كما اعتبر أن القرآن نص مشاع للناس يمكن للجميع الخوض فيه وهذا ما يحسب للإسلام حيث لا يمكن لأي مؤسسة أن تحتكر فهم القرآن. ورأى أنه لا حدود شرعية أو موضوعية (مثلما هو الحال في العلوم الطبيعية) أو قومية للتأويل، وإنما هي حدود الأخلاق المعرفية والعلمية، وهو ما أوضحه المجتهدون حين وضعوا شروط الاجتهاد حتى لا نقول فيما لا نعلم.
الأستاذ محمد الجابلي أكد أننا في حاجة دائمة إلى إثارة هذه القضايا وإن كان الصراع حولها قديم بين المذاهب والمدارس منذ بداية نشوء المكون السياسي في الدين الإسلامي، معتبرا أن مسألة الدين مسألة بنية مجتمعية كاملة وحضارية، فإذا كان الدين عند البعض عقيدة فهو عند البعض الآخر مكون ثقافي وعند آخرين مكون انتروبولوجي أو عامل من عوامل الهوية، داعيا الباحثين إلى عدم الفصل بين هذه المكونات والعوامل لأن الدين هو كل ذلك. واعتبر أن العيب لا يكمن في النص الديني بل في الواقع المتخلف الذي يجعل النص رجراجا قابلا لتأويلات كثيرة وممكنة فلا حدود لتأويل النص الديني الذي هو ليس من مسؤوليتنا كنخبة، بل إن المسؤول عنه هو رجل السياسة ورجل الدين الرسمي، ونتيجة الاستلاب السياسي والحضاري والاقتصادي والثقافي وما آل إليه استعمال الدين من تحجر وردة فعل خطيرة أصبح الدين في رأيه معرقلا وحائلا بيننا وبين الحداثة، مستنكرا في الآن نفسه نفي حق المتدينين ومحاولة اقتلاع جذور التدين جملة وتفصيلا بدعوى الخوف من الاستغلال الديني للحريات السياسية، فالصراع على الدين في رأيه كما عبر عنه في أحد كتبه هو صراع في الحياة.
السيد الحبيب قيزة أشاد بالدكتورة ألفة يوسف التي يرى أنها تنتمي إلى تيار فكري عقلاني مفتوح نعتز به في تونس بمختلف اجتهاداته التي نحن في أمس الحاجة إليها و فيه عبد المجيد الشرفي ورجاء بن سلامة ويوسف الصديق... وإذا كانت منطلقات البعض من خارج النص الديني، فثمة من يريد التغيير من داخله مثل الطاهر الحداد مشيرا إلى التجذر التاريخي للبعد العقلاني المغاربي ورموزه مثل ابن خلدون وابن رشد صاحب " فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال" الذي كان يدعو إلى تأويل النقل بما يتماشى والعقل. وأكد أنه كناشط اجتماعي حداثي وعلماني وديمقراطي ينشد التغيير تهمه هذه القضايا المتعلقة بالدين والتأويل والتي تبقى مسألة أساسية لا يمكن تجاهلها لأننا لسنا في فرنسا ولم ننجز بعد ثورتنا الديمقراطية واللائكية، ومع تشديده على ضرورة نشر تلك القيم للخروج من الدغمائية فقد دعا إلى التمييز بين الممكنات الواقعية والممكنات الذهنية، فالعالم قد تطور ونحن ما زلنا على تخلفنا و" سمعتنا في الطين"، ولدينا الكثير من أمثال أسامة بن لادن في العالم العربي والإسلامي.
الأستاذ صالح الزغيدي لاحظ أن النص الديني نفسه يحمل لدى البعض مشروع مجتمع ومشروع دولة، مشددا على أنه ينبغي تفادي القول بأن كل الدول الإسلامية متماثلة أو بأن التشريع فيها جميعا وضعي ولو بالتمييز الذي ذكرته ألفة يوسف، فالفارق كبير وواضح مثلا بين تونس والسعودية باعتبار اختلاف حضور الدين وسلطة الدين في كل منهما. كما أكد أهمية النظر إلى قضية الأحوال الشخصية كقضية مركزية لها ارتباطها بكل القضايا الأخرى المؤثرة في نوعية المجتمع وبنائه. ولئن انتقد توظيف الدين واستعماله من قبل الدولة في تونس (من تعيين الأئمة إلى كتابة الخطب الدينية وتمرير الخطاب السياسي الرسمي...) فإنه نبه إلى أن عدم التحكم في المساجد سيجعلها بأيدي قوى أخرى مما يبرر الحاجة إلى مؤسسة دينية، ملاحظا (من خلال مثال إذاعة الزيتونة) أن محاولة "سحب البساط" التي تقدم نفسها على أساس أنها الإسلام المعتدل والصحيح "ذي الطابع التونسي" لا تختلف في العمق عن القنوات الدينية المنتشرة (مثل اقرأ) وهي بصدد المساهمة في توسيع الحضور الديني وإرجاع تركيزه في المجتمع. وشكك فيما يسمى بالخصوصية التونسية في هذا المجال وغيره، معبرا عن تقديره لجهد الباحثين المساهمين في حركة التنوير داخل المنظومة الدينية سواء انتموا إليها أم إلى منظومة فكرية لادينية، وهو ما حدث أيضا حتى في الفكر الماركسي الذي أسهم في إثرائه غير الماركسيين مثل ريمون آرون. وجدد دعوته إلى ضرورة الاعتراف في تونس بحقوق اللائكيين مؤكدا أن اللائكية هي الخطوة الأكبر في اتجاه الحداثة.
الأستاذ شاكر الشرفي انتقد مسار النقاش في المنتدى الذي انطلق في رأيه من التأويل ليصل إلى "خطة تجفيف المنابع" ذات القراءة المتشنجة للدين والموجهة لمحاكمة خصم سياسي (الحركة الإسلامية) وهي ظاهرة في اعتقاده خطيرة، متسائلا عن دواعي الخوف من ظاهرة التدين في تونس أو من إذاعة الزيتونة، واعتبر أن مشكلة المثقف العلماني في تونس افتقاره إلى ثقافة دينية أي معرفة بالإسلام وأحكامه وفلسفته ومقاصده، داعيا إلى الاطلاع أكثر على الإسلام قبل الحكم عليه. كما اعتبر أن ألفة يوسف قد ارتكبت في أثناء بحوثها بعض الأخطاء معطيا مثال موقف المذهب الشيعي من زواج المتعة الذي يقول إن أمهات الكتب الشيعية ( مثل بحار الأنوار) قد حرمته.
الأستاذ سليم الزواوي ميّز بين الإسلام والحركات الإسلامية تمييزا غاب لدى البعض. و لاحظ أن المسائل الهامة التي تطرحها الدكتورة ألفة يوسف لا تهم بلادنا فقط لأن العقلية الإسلامية السائدة ما زالت مشدودة إلى أحادية التأويل، مفضلا استعمال كلمة قراءة على كلمة تأويل الذي اعتبر أنه يحيل إلى التراث القديم أكثر منه إلى الحديث، أما الحدود فهي تنطلق بالأساس في نظره من الجانب التاريخي، وهذا ما تفطن له الطاهر الحداد عندما ميز بصفة حاسمة بين ما جاء به الإسلام (في القرن السابع) وما جاء من أجله الإسلام وهو ما يناسبنا الآن بقراءة جديدة، وأشار إلى آخر كتب محمد عابد الجابري الذي يميز بين قراءة معاصرة للكتاب وقراءة معاصرة لنا نحن، إذ لا يمكن أن نقبل اليوم تأويلا للبرق بأنه من صنع ملائكة تحمل السيوف، و بدعوى أن إمكانيات التأويل مفتوحة وكل شيء مقبول يمكن أن نقبل قراءات أسطورية ميثولوجية للنص الديني، فثمة حدود يفرضها الواقع والعلم وحاجات الناس. و اعتبر أنه من الضروري إعادة النظر في وظيفة الدين الذي لم يعد مصدر شرعية الحكم ليصبح علاقة ذاتية بين الإنسان وربه يمكن أن تضفي بعدا أخلاقيا على العلاقات الإنسانية.
وفي تعقيبها على بعض الملاحظات والتساؤلات أوضحت الدكتورة ألفة يوسف أن المحاضرة التي قدمتها كانت باختصار حول بيان أن التأويل نسبي وليس حول تقديم تأويل معين أو أجوبة جاهزة، أما الفكرة الأساسية أن الحقيقة المطلقة لا يعلمها إلا الله فلا تعتبرها لا أدرية وإنما هي إقرار بمحدودية الإنسان، وهدفها بكل تواضع خلخلة المسلّمات، وأكدت أنه ليس هناك تعارض بين أن تكون مسلمة وعلمانية في آن واحد، وهذا ما سبب لها المشاكل مع الإسلاميين ومع غير الإسلاميين بسبب ميل كل منهم إلى تصنيفها في خانة الآخر، ومع ذلك أعربت عن وقوفها مع حق كل مواطن تونسي في التعبير والتنظم السياسي وحرية اللباس والمعتقد لأن بلادنا محتاجة إلى جميع الأصوات والتعايش في كنف الحب والتواصل والاحترام المتبادل، وهي تتحمل بكل وعي مسؤولية مواقفها مثل تسامحها الإداري في قضية الحجاب، كما أشارت إلى اشتغالها على كتاب جديد حول التشريع، وقد لاحظت أن قانوننا والخطاب الرسمي للدولة يعيش انفصاما ومفارقات وخلطا عجيبا بين الوضعي والديني خلف شعارات فضفاضة وعامة لا تستجيب لمتطلبات الواقع الذي نجد فيه شبابنا بلا خلفية معرفية متذبذبا وحائرا بين الفضائيات. وعبرت عن سعادتها بالتحاور اليومي مع هؤلاء الشباب عبر شبكة الانترنت والاقتراب أكثر من مشاغلهم وأسئلتهم وتطلعاتهم.
عادل القادري ـ جريدة الوحدة
الأستاذ زياد كريشان أشار في مداخلته إلى أنه لا يمكن تناول الدين كنص منزل فقط، لأن الدين لا يصبح دينا إلا بمؤسسة بشرية سواء كانت كنيسة أو كهنوتا غير مؤسس. و لذلك فإن من يمتلك الشرعية الاجتماعية للتأويل ويختص بهذه السلطة هو ما يسمى المؤسسة الدينية وليس كبار المفكرين أو المثقفين، فشيخ بسيط من الأزهر مثلا يزن ما لا يزنه هؤلاء مهما بلغت عبقريتهم وعلمهم، ملاحظا وجود صراع شديد بين المؤسسات الدينية الرسمية من جهة ومن يريد أن يعوض هذه المؤسسات ويفتك شرعيتها من جهة أخرى وهو الذي يسمى عادة بالإسلام الاحتجاجي. أما المثقف فليس من المفيد له أن يأخذ دور رجل الدين لأن المجتمع لا يقر له بهذا الدور. وأكد أهمية المسألة المتعلقة بتنزيل القرآن الذي يفتح اعتبار معانيه إلهية وألفاظه بشرية (أي بحدود الثقافة الإنسانية التي هي ليست حكرا على اللغة العربية) مجالا جديدا في التأويل ليس الديني بل الفكري حيث يصبح عدم التقيد بمنطوق اللفظ مبررا، لأن الجهد البشري مهما توسع في باب التأويل يبقى أسير هذا التنزيل عندما يكون باللفظ والمعنى من الذات الإلهية. ورأى أنه من الخطأ أن يقع الصراع في التأويل على الجزئيات (مثل مسألة الحدود) لأن التفسير الحرفي القائم على بداهة النص هو الذي سينتصر حينها، بينما ترتكز المحاضرة على الفلسفة وعلم النفس واللسانيات... والمطلوب ليس فقط أن يقول المثقف هذا الكلام بل أن تتبنى ذلك التصور العقلاني المؤسسة الدينية وتقطع مع التآويل القديمة في إطار صراع فكري بينها وبين المثقفين والمجتمع المدني لأنها لن تفعل ذلك تلقائيا في بلدنا أو غيره. وهذا ما حدث للكنيسة الكاثوليكية التي أحرجت وأرغمت على تحديث الفكر الكنسي. وأكد أنه لا يمكن لأي دولة في المجتمع العربي الإسلامي اليوم أن تتخلص من المسألة الدينية، لأنها لو تخلت عنها فسوف تأخذها لقمة سائغة قوى أخرى حريصة ومستعدة لاستثمار الدين والحاجة الاجتماعية للتدين، مشيرا إلى أنه لا يمكن أن يقع تحديث الدين في بلد واحد لأن الإسلام يشمل مليار ونصف.
الدكتور الحبيب الجنحاني اعتبر أن أهم سياق في التأويل ليس السياق اللغوي بل السياق التاريخي، متسائلا إلى أي حد في هذه الحالة يمكن أن يصل التأويل عندما ينسجم مع السياق التاريخي المعاصر إلى الآخر؟ فقد نجد في النهاية نصا لا نستطيع تأويله لأنه يكون قد ذاب وغاب نهائيا. كما اعتبر أن عصور الازدهار في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية شهدت طرح قضايا أهم تتعلق بالحكم وأمور السياسة والإمامة والاقتصاد (الخراج...). أما الأسماء التي ذكرتها الدكتورة ألفة يوسف مثل الرازي والزركشي والسيوطي فقد جاءت في عصور متأخرة. ولم يهتم بهذه القضايا ابتداء من القرن التاسع عشر رواد النهضة المنتسبون في أغلبهم إلى المؤسسة الإسلامية بل اهتموا أساسا بالتصدي للحكم الاستبدادي المطلق، وجدد التأكيد على ضرورة السعي إلى فصل الدين عن السياسة وليس فصل الدين عن الدولة. وأعرب عن انزعاجه من إخراج هذه القضايا التي اعتبرها هامشية من حلقات الاختصاص إلى الرأي العام ورأى في ذلك "لعبة خطرة" وإشغالا للناس وجرّا للنخبة المستنيرة و المجتمع المدني إلى معركة قد تكون على حساب نضالات طويلة من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية والتقدم في المجتمع العربي الإسلامي.
الأستاذ الأمين التليلي انتقد ما اعتبره مؤاخذة في محاضرة ألفة يوسف للأوائل لعدم اكتشافهم جوانب الإعجاز العلمي في القرآن متسائلا أين المشكل إذا تدرج التشريع الإسلامي في معالجة قضية مثل الرق والعبيد (عن طريق الكفارات) معتبرا أن التدرج سياسة كونية لا تعيبه، خصوصا وأنه جاء في رأيه ليحرر البشرية جمعاء ويقضي على استعمار البشر للبشر... وذكر بأن عمر بن الخطاب قد خرج عن النص جملة وتفصيلا في أربع مناسبات (حد السرقة، المؤلفة قلوبهم، الزواج بالكتابيات وأراضي الفتوحات) واضعا بذلك حجر الأساس لتأويل لا حد له، ودعا إلى إرساء مبدأ الجرأة في التعامل مع النص الديني، مع اعتبار قاعدة "حيثما تكون المصلحة فثمة شرع الله" لأن الشعوب تهمها المصلحة، وتبقى السلطة مهمة جدا مثلما تم في تونس حين تم منع تعدد الزوجات أما المساواة في الإرث، فيبدو له أنها ما زالت تقلق الرجال الذين يحتلون المراكز العليا في الدولة.

الأستاذ بحري العرفاوي اعتبر أن الدكتورة ألفة يوسف تكاد تذهب إلى اللامعنى أو كأنها من اللاأدرية حين تجزم بأن لا أحد قادر على المسك بمعاني القرآن وأن لا أحد قادر على أن يفتي أوحين تقول بأنها تستحي من الله فلا تفتي ولا تقول بحلال أو بحرام، معربا عن خشيته من أن ننتهي بذلك إلى "رخوانية معرفية" حيث لا وجود لحقيقة ولا وجود لمعنى، وهذا عموما في تقديره خطر معرفي. مذكرا بتعريف للتأويل على أنه صرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر محتمل بدليل، و بأن القول كما يعرفه علي حرب حقل دلالي ومجال لإنتاج المعنى، واستشهد بجان بول سارتر في مقولة حول ضرورة تصويب الكاتب كلماته نحو هدف ما ليتوجه بسؤال غير مباشر إلى ألفة يوسف حول الهدف الذي تريد أن تنتهي إليه في كتاباتها. كما اعتبر أن القرآن نص مشاع للناس يمكن للجميع الخوض فيه وهذا ما يحسب للإسلام حيث لا يمكن لأي مؤسسة أن تحتكر فهم القرآن. ورأى أنه لا حدود شرعية أو موضوعية (مثلما هو الحال في العلوم الطبيعية) أو قومية للتأويل، وإنما هي حدود الأخلاق المعرفية والعلمية، وهو ما أوضحه المجتهدون حين وضعوا شروط الاجتهاد حتى لا نقول فيما لا نعلم.
الأستاذ محمد الجابلي أكد أننا في حاجة دائمة إلى إثارة هذه القضايا وإن كان الصراع حولها قديم بين المذاهب والمدارس منذ بداية نشوء المكون السياسي في الدين الإسلامي، معتبرا أن مسألة الدين مسألة بنية مجتمعية كاملة وحضارية، فإذا كان الدين عند البعض عقيدة فهو عند البعض الآخر مكون ثقافي وعند آخرين مكون انتروبولوجي أو عامل من عوامل الهوية، داعيا الباحثين إلى عدم الفصل بين هذه المكونات والعوامل لأن الدين هو كل ذلك. واعتبر أن العيب لا يكمن في النص الديني بل في الواقع المتخلف الذي يجعل النص رجراجا قابلا لتأويلات كثيرة وممكنة فلا حدود لتأويل النص الديني الذي هو ليس من مسؤوليتنا كنخبة، بل إن المسؤول عنه هو رجل السياسة ورجل الدين الرسمي، ونتيجة الاستلاب السياسي والحضاري والاقتصادي والثقافي وما آل إليه استعمال الدين من تحجر وردة فعل خطيرة أصبح الدين في رأيه معرقلا وحائلا بيننا وبين الحداثة، مستنكرا في الآن نفسه نفي حق المتدينين ومحاولة اقتلاع جذور التدين جملة وتفصيلا بدعوى الخوف من الاستغلال الديني للحريات السياسية، فالصراع على الدين في رأيه كما عبر عنه في أحد كتبه هو صراع في الحياة.
السيد الحبيب قيزة أشاد بالدكتورة ألفة يوسف التي يرى أنها تنتمي إلى تيار فكري عقلاني مفتوح نعتز به في تونس بمختلف اجتهاداته التي نحن في أمس الحاجة إليها و فيه عبد المجيد الشرفي ورجاء بن سلامة ويوسف الصديق... وإذا كانت منطلقات البعض من خارج النص الديني، فثمة من يريد التغيير من داخله مثل الطاهر الحداد مشيرا إلى التجذر التاريخي للبعد العقلاني المغاربي ورموزه مثل ابن خلدون وابن رشد صاحب " فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال" الذي كان يدعو إلى تأويل النقل بما يتماشى والعقل. وأكد أنه كناشط اجتماعي حداثي وعلماني وديمقراطي ينشد التغيير تهمه هذه القضايا المتعلقة بالدين والتأويل والتي تبقى مسألة أساسية لا يمكن تجاهلها لأننا لسنا في فرنسا ولم ننجز بعد ثورتنا الديمقراطية واللائكية، ومع تشديده على ضرورة نشر تلك القيم للخروج من الدغمائية فقد دعا إلى التمييز بين الممكنات الواقعية والممكنات الذهنية، فالعالم قد تطور ونحن ما زلنا على تخلفنا و" سمعتنا في الطين"، ولدينا الكثير من أمثال أسامة بن لادن في العالم العربي والإسلامي.
الأستاذ صالح الزغيدي لاحظ أن النص الديني نفسه يحمل لدى البعض مشروع مجتمع ومشروع دولة، مشددا على أنه ينبغي تفادي القول بأن كل الدول الإسلامية متماثلة أو بأن التشريع فيها جميعا وضعي ولو بالتمييز الذي ذكرته ألفة يوسف، فالفارق كبير وواضح مثلا بين تونس والسعودية باعتبار اختلاف حضور الدين وسلطة الدين في كل منهما. كما أكد أهمية النظر إلى قضية الأحوال الشخصية كقضية مركزية لها ارتباطها بكل القضايا الأخرى المؤثرة في نوعية المجتمع وبنائه. ولئن انتقد توظيف الدين واستعماله من قبل الدولة في تونس (من تعيين الأئمة إلى كتابة الخطب الدينية وتمرير الخطاب السياسي الرسمي...) فإنه نبه إلى أن عدم التحكم في المساجد سيجعلها بأيدي قوى أخرى مما يبرر الحاجة إلى مؤسسة دينية، ملاحظا (من خلال مثال إذاعة الزيتونة) أن محاولة "سحب البساط" التي تقدم نفسها على أساس أنها الإسلام المعتدل والصحيح "ذي الطابع التونسي" لا تختلف في العمق عن القنوات الدينية المنتشرة (مثل اقرأ) وهي بصدد المساهمة في توسيع الحضور الديني وإرجاع تركيزه في المجتمع. وشكك فيما يسمى بالخصوصية التونسية في هذا المجال وغيره، معبرا عن تقديره لجهد الباحثين المساهمين في حركة التنوير داخل المنظومة الدينية سواء انتموا إليها أم إلى منظومة فكرية لادينية، وهو ما حدث أيضا حتى في الفكر الماركسي الذي أسهم في إثرائه غير الماركسيين مثل ريمون آرون. وجدد دعوته إلى ضرورة الاعتراف في تونس بحقوق اللائكيين مؤكدا أن اللائكية هي الخطوة الأكبر في اتجاه الحداثة.
الأستاذ شاكر الشرفي انتقد مسار النقاش في المنتدى الذي انطلق في رأيه من التأويل ليصل إلى "خطة تجفيف المنابع" ذات القراءة المتشنجة للدين والموجهة لمحاكمة خصم سياسي (الحركة الإسلامية) وهي ظاهرة في اعتقاده خطيرة، متسائلا عن دواعي الخوف من ظاهرة التدين في تونس أو من إذاعة الزيتونة، واعتبر أن مشكلة المثقف العلماني في تونس افتقاره إلى ثقافة دينية أي معرفة بالإسلام وأحكامه وفلسفته ومقاصده، داعيا إلى الاطلاع أكثر على الإسلام قبل الحكم عليه. كما اعتبر أن ألفة يوسف قد ارتكبت في أثناء بحوثها بعض الأخطاء معطيا مثال موقف المذهب الشيعي من زواج المتعة الذي يقول إن أمهات الكتب الشيعية ( مثل بحار الأنوار) قد حرمته.
الأستاذ سليم الزواوي ميّز بين الإسلام والحركات الإسلامية تمييزا غاب لدى البعض. و لاحظ أن المسائل الهامة التي تطرحها الدكتورة ألفة يوسف لا تهم بلادنا فقط لأن العقلية الإسلامية السائدة ما زالت مشدودة إلى أحادية التأويل، مفضلا استعمال كلمة قراءة على كلمة تأويل الذي اعتبر أنه يحيل إلى التراث القديم أكثر منه إلى الحديث، أما الحدود فهي تنطلق بالأساس في نظره من الجانب التاريخي، وهذا ما تفطن له الطاهر الحداد عندما ميز بصفة حاسمة بين ما جاء به الإسلام (في القرن السابع) وما جاء من أجله الإسلام وهو ما يناسبنا الآن بقراءة جديدة، وأشار إلى آخر كتب محمد عابد الجابري الذي يميز بين قراءة معاصرة للكتاب وقراءة معاصرة لنا نحن، إذ لا يمكن أن نقبل اليوم تأويلا للبرق بأنه من صنع ملائكة تحمل السيوف، و بدعوى أن إمكانيات التأويل مفتوحة وكل شيء مقبول يمكن أن نقبل قراءات أسطورية ميثولوجية للنص الديني، فثمة حدود يفرضها الواقع والعلم وحاجات الناس. و اعتبر أنه من الضروري إعادة النظر في وظيفة الدين الذي لم يعد مصدر شرعية الحكم ليصبح علاقة ذاتية بين الإنسان وربه يمكن أن تضفي بعدا أخلاقيا على العلاقات الإنسانية.
وفي تعقيبها على بعض الملاحظات والتساؤلات أوضحت الدكتورة ألفة يوسف أن المحاضرة التي قدمتها كانت باختصار حول بيان أن التأويل نسبي وليس حول تقديم تأويل معين أو أجوبة جاهزة، أما الفكرة الأساسية أن الحقيقة المطلقة لا يعلمها إلا الله فلا تعتبرها لا أدرية وإنما هي إقرار بمحدودية الإنسان، وهدفها بكل تواضع خلخلة المسلّمات، وأكدت أنه ليس هناك تعارض بين أن تكون مسلمة وعلمانية في آن واحد، وهذا ما سبب لها المشاكل مع الإسلاميين ومع غير الإسلاميين بسبب ميل كل منهم إلى تصنيفها في خانة الآخر، ومع ذلك أعربت عن وقوفها مع حق كل مواطن تونسي في التعبير والتنظم السياسي وحرية اللباس والمعتقد لأن بلادنا محتاجة إلى جميع الأصوات والتعايش في كنف الحب والتواصل والاحترام المتبادل، وهي تتحمل بكل وعي مسؤولية مواقفها مثل تسامحها الإداري في قضية الحجاب، كما أشارت إلى اشتغالها على كتاب جديد حول التشريع، وقد لاحظت أن قانوننا والخطاب الرسمي للدولة يعيش انفصاما ومفارقات وخلطا عجيبا بين الوضعي والديني خلف شعارات فضفاضة وعامة لا تستجيب لمتطلبات الواقع الذي نجد فيه شبابنا بلا خلفية معرفية متذبذبا وحائرا بين الفضائيات. وعبرت عن سعادتها بالتحاور اليومي مع هؤلاء الشباب عبر شبكة الانترنت والاقتراب أكثر من مشاغلهم وأسئلتهم وتطلعاتهم.
عادل القادري ـ جريدة الوحدة
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire