أجرى اللقاء حسن بن عثمان
عبد المجيد الشرفي شخصية فكرية تجاوز بطروحاته البحثية ما هو أكاديمي إلى المعرفي، كما ينبغي أن تكون المعرفة غير أيديولوجية، تنشد ما فوق المؤسسات والأطر وتقاليد البحث المتداولة الجامدة. شغل مواقع جامعية رئيسة، واهتمّ منذ بداياته بالإسلام دينا وفقها وتاريخا وظهورا اجتماعيا وسلوكيا ووعيا ولغة، وفي ذلك أنتج العديد من الدراسات والكتب، ضمّنها وجهات نظره المجتهدة، غير الرائجة، في تناول الإسلام الذي يتلوّن بصروف الزمان والمكان، إسلام يطرح قشوره في بحوث الشرفي ويتعهّد بصقل جوهره. هنا حوار مع الباحث والجامعي والمفكّر عبد المجيد الشرفي عن بعض المعاني التي اشتغل عليها.
* سي عبد المجيد الشرفي، ينحدر تكوينك المعرفي من أفق أدبي وحضاري، وتكوينك السياسي من أفق ماركسي تقدمي، وتكوين هويتك الشخصية تونسية وطنية محلية... فمن أين جاء اهتمامك بالإسلام دينا وحضارة؟
** دراسة الإسلام هي جزء من دراسة المواضيع الاجتماعية، وأهمية الدّين اجتماعيا ونفسانيا وسياسيا وأخلاقيا تبرر الاهتمام به، بالإضافة إلى أن ما أعيبه، بصفة عامة، على الفكر التقدمي انه ترك إنتاج المعنى للتيارات المحافظة وأحيانا الظلامية، فأصبحت تلك التيارات تحتكر الكلام باسم الدين. الدّين منتج للمعنى مثلما أن التيارات التقدمية مقصّرة في الاهتمام بإنتاج الثروة. إنها لا تهتمّ، في الأغلب، وبعد فشل التجربة السوفياتية، إلاّ بتوزيع الثروة. لكن قبل التوزيع لابد من الإنتاج، ونفس الشيء ينطبق على إنتاج المعنى. والدين هو المجال الذي يكتسب فيه الإنسان، بحكم ثقافته، وربما بحكم تكوينه كذلك، معنى لحياته ولسلوكه. وهذا المعنى يتغيّر، بطبيعة الحال، بحسب الظروف وبحسب التوجّهات، ولكن أيضا بحسب مدى الاطلاع على الفكر الديني في تاريخه ومنعرجاته ومآزقه وكشوفاته، لخ.
الاهتمام بالإسلام يدخل إذن ضمن هذه الدائرة، ويتطلب معرفة بعلوم الإنسان والمجتمع في العصر الحديث، حتى يمكن بها قراءة الإنتاج الديني، قديمه وحديثه. وفي تصوري أن هذه القراءة وإن كانت محفوفة بالمحاذير فإنها ضرورية بالنسبة إلى مجتمعنا، وإلى المجتمعات الإسلامية المعاصرة عامة. هذا مع العلم بأنني بدأت أهتم بهذا الميدان قبل أن يحتلّ الإسلام الحركي الساحة الإعلامية والسياسية، وقد حاولت أن أحافظ على هذه الغاية المعرفية، فلا أقفز، كما يفعل الكثيرون، إلى الغاية النفعية المباشرة، لأن ذلك في نظري من شأنه أن يجعل الإنسان يغفل عن الكثير من الأبعاد التي لا تناسب تلك الغاية النفعية.
* تقول أن دراسة الإسلام جزء من دراسة المواضيع الاجتماعية. لكن الإسلام ليس فقط مجرّد موضوع اجتماعي مثل كل المواضيع الاجتماعية، إنما هو يعلو عنها بصفته دينا يتجاوز الاجتماع في كل زمان ومكان، ويظل مفارقا، يحافظ على خصوصية تميّزه على الراهن الاجتماعي، بما يجعله بمنأى عن حوادث الزمان والمكان، كما يرغب أن يكون؟
** بطبيعة الحال في الدين كل الأبعاد الرمزية. ما تسميه المفارقة أسمّيه رمزية. كما أن الأبعاد الاجتماعية، كل الأبعاد الاجتماعية بما فيها الدّين، بصفته بعدا اجتماعيا، تخضع للتحليل العلمي وحتى الذين ينكرون خضوعها للتحليل فإنهم، في الحقيقة، ينتجون معنى من المعاني نابعا من اختيارات بشرية محكومة بالثقافة ومحكومة بالسياسة ومحكومة بالآفاق الذهنية لمنتجيها. هناك، لا محالة، تداخل بين البعد الرمزي والبعد الاجتماعي، ووظيفة الباحث هي محاولة فك هذا الارتباط وإرجاع كل الظواهر المدروسة إلى العوامل التاريخية التي أنتجتها، وإذّاك تبقى مسألة المعتقد الشخصي مسألة خارجة على التقييم وتتغير بتغيّر النفسيات ومستوى الثقافة وربما السنّ والوضع الاجتماعي، إلى غير ذلك، وهنا لا بدّ من التأكيد على أن هذين البعدين "المفارق" والاجتماعي موجودين في كل الديانات، وخاصة منها الديانات التوحيدية. والخصوصية الإسلامية ليست موجودة في هذا المستوى وإلاّ سقط الإنسان في الماهوية، وليس هناك عالِم واحد يقول بها في هذا المجال.
* لكن هنا تظل مسألة اللغة ماثلة في الموضوع لا تبرحه. اللغة بما هي رموز وبما هي مفارقة لموضوعها ولما تقوله. هنا المسألة مضاعفة، من جهة اللغة بما هي رموز، ومن جهة الرموز من حيث أنها من هذا العالم وليست من هذا العالم، في اللحظة ذاتها، رغم أنها تخاطب عالمنا ووجودنا، وهذا ما يتحدّى به القرآن قرّاءه وباحثيه ومفسّريه وشرّاحه ومُؤوّليه؟
** أنت تثير هنا مشكلة عويصة في الفكر الإسلامي، تلك المتعلّقة بما يمكن أن يوصف به القرآن. لقد شاع بين المسلمين الإيمان بأن القرآن كلام إلهي. ولكن هذه المسلّمة حين نحلّلها نتبيّن أن المسلمين لم يراعوها دائما. على سبيل المثال، عندما استدلّوا على الإعجاز القرآني قارنوه بالخطاب البشري، كما وُجد الخطاب العربي في الشعر والنثر والحِكم والأمثال، أي أنهم عاملوه على أساس أنه لغة بشرية، وكثير من التصورات السائدة عن كون القرآن كلاما إلهيا هي تصورات ميثية. بينما يحقّ للمسلم أن يعتبر أن مصدر هذا الكلام هو الوحي، أو الإلهام الإلهي. ولكن القرآن، في الآن نفسه، هو كلام محمّد، أي كلام بشري، ونعثر فيه على تأثيرات تاريخية تدلّ على هذا البعد البشري. فلا شك، إذن، أن هذا الوحي يمرّ عبر شخصية الرسول. إذن فهو يتشكّل بحسب المعرفة التي توفّرت للرّسول. وهذه المعرفة محدودة بحدود المعرفة البشرية في القرن السابع الميلادي، وهي معرفة لا يمكن أن نُنكر تأثير الضمير الميثي فيها وحضوره حضورا مكثفا. لهذا فابتعاد المسلمين اليوم عن القول الساذج بأن القرآن كلام الله فقط، والإقرار ببعده البشري الدنيوي التاريخي، إذن النسبي، سيؤدي لا إلى تقويض الإيمان بهذا النصّ، بل إلى تأويل جديد له، يميّز بين قيمته هذه النسبية، من ناحية، وقيمته المطلقة، أو الفائقة للظروف المباشرة، من ناحية ثانية. وهذا التمشّي قد رأيته مناسبا لمفهوم ختم النبوّة من الخارج. يعني أن الرسول حرص على ألا يَبقى الإنسان حبيسا للقوى الغيبية، وأن يتحمّل مسؤوليته كاملة، وهو حرّ في اختياراته، سواء في أن يؤمن أو يكفر، أو، باختصار، في أن ينظّم حياته الفردية والجماعية على النحو الذي يرتضيه.
عبد المجيد الشرفي شخصية فكرية تجاوز بطروحاته البحثية ما هو أكاديمي إلى المعرفي، كما ينبغي أن تكون المعرفة غير أيديولوجية، تنشد ما فوق المؤسسات والأطر وتقاليد البحث المتداولة الجامدة. شغل مواقع جامعية رئيسة، واهتمّ منذ بداياته بالإسلام دينا وفقها وتاريخا وظهورا اجتماعيا وسلوكيا ووعيا ولغة، وفي ذلك أنتج العديد من الدراسات والكتب، ضمّنها وجهات نظره المجتهدة، غير الرائجة، في تناول الإسلام الذي يتلوّن بصروف الزمان والمكان، إسلام يطرح قشوره في بحوث الشرفي ويتعهّد بصقل جوهره. هنا حوار مع الباحث والجامعي والمفكّر عبد المجيد الشرفي عن بعض المعاني التي اشتغل عليها.
* سي عبد المجيد الشرفي، ينحدر تكوينك المعرفي من أفق أدبي وحضاري، وتكوينك السياسي من أفق ماركسي تقدمي، وتكوين هويتك الشخصية تونسية وطنية محلية... فمن أين جاء اهتمامك بالإسلام دينا وحضارة؟
** دراسة الإسلام هي جزء من دراسة المواضيع الاجتماعية، وأهمية الدّين اجتماعيا ونفسانيا وسياسيا وأخلاقيا تبرر الاهتمام به، بالإضافة إلى أن ما أعيبه، بصفة عامة، على الفكر التقدمي انه ترك إنتاج المعنى للتيارات المحافظة وأحيانا الظلامية، فأصبحت تلك التيارات تحتكر الكلام باسم الدين. الدّين منتج للمعنى مثلما أن التيارات التقدمية مقصّرة في الاهتمام بإنتاج الثروة. إنها لا تهتمّ، في الأغلب، وبعد فشل التجربة السوفياتية، إلاّ بتوزيع الثروة. لكن قبل التوزيع لابد من الإنتاج، ونفس الشيء ينطبق على إنتاج المعنى. والدين هو المجال الذي يكتسب فيه الإنسان، بحكم ثقافته، وربما بحكم تكوينه كذلك، معنى لحياته ولسلوكه. وهذا المعنى يتغيّر، بطبيعة الحال، بحسب الظروف وبحسب التوجّهات، ولكن أيضا بحسب مدى الاطلاع على الفكر الديني في تاريخه ومنعرجاته ومآزقه وكشوفاته، لخ.
الاهتمام بالإسلام يدخل إذن ضمن هذه الدائرة، ويتطلب معرفة بعلوم الإنسان والمجتمع في العصر الحديث، حتى يمكن بها قراءة الإنتاج الديني، قديمه وحديثه. وفي تصوري أن هذه القراءة وإن كانت محفوفة بالمحاذير فإنها ضرورية بالنسبة إلى مجتمعنا، وإلى المجتمعات الإسلامية المعاصرة عامة. هذا مع العلم بأنني بدأت أهتم بهذا الميدان قبل أن يحتلّ الإسلام الحركي الساحة الإعلامية والسياسية، وقد حاولت أن أحافظ على هذه الغاية المعرفية، فلا أقفز، كما يفعل الكثيرون، إلى الغاية النفعية المباشرة، لأن ذلك في نظري من شأنه أن يجعل الإنسان يغفل عن الكثير من الأبعاد التي لا تناسب تلك الغاية النفعية.
* تقول أن دراسة الإسلام جزء من دراسة المواضيع الاجتماعية. لكن الإسلام ليس فقط مجرّد موضوع اجتماعي مثل كل المواضيع الاجتماعية، إنما هو يعلو عنها بصفته دينا يتجاوز الاجتماع في كل زمان ومكان، ويظل مفارقا، يحافظ على خصوصية تميّزه على الراهن الاجتماعي، بما يجعله بمنأى عن حوادث الزمان والمكان، كما يرغب أن يكون؟
** بطبيعة الحال في الدين كل الأبعاد الرمزية. ما تسميه المفارقة أسمّيه رمزية. كما أن الأبعاد الاجتماعية، كل الأبعاد الاجتماعية بما فيها الدّين، بصفته بعدا اجتماعيا، تخضع للتحليل العلمي وحتى الذين ينكرون خضوعها للتحليل فإنهم، في الحقيقة، ينتجون معنى من المعاني نابعا من اختيارات بشرية محكومة بالثقافة ومحكومة بالسياسة ومحكومة بالآفاق الذهنية لمنتجيها. هناك، لا محالة، تداخل بين البعد الرمزي والبعد الاجتماعي، ووظيفة الباحث هي محاولة فك هذا الارتباط وإرجاع كل الظواهر المدروسة إلى العوامل التاريخية التي أنتجتها، وإذّاك تبقى مسألة المعتقد الشخصي مسألة خارجة على التقييم وتتغير بتغيّر النفسيات ومستوى الثقافة وربما السنّ والوضع الاجتماعي، إلى غير ذلك، وهنا لا بدّ من التأكيد على أن هذين البعدين "المفارق" والاجتماعي موجودين في كل الديانات، وخاصة منها الديانات التوحيدية. والخصوصية الإسلامية ليست موجودة في هذا المستوى وإلاّ سقط الإنسان في الماهوية، وليس هناك عالِم واحد يقول بها في هذا المجال.
* لكن هنا تظل مسألة اللغة ماثلة في الموضوع لا تبرحه. اللغة بما هي رموز وبما هي مفارقة لموضوعها ولما تقوله. هنا المسألة مضاعفة، من جهة اللغة بما هي رموز، ومن جهة الرموز من حيث أنها من هذا العالم وليست من هذا العالم، في اللحظة ذاتها، رغم أنها تخاطب عالمنا ووجودنا، وهذا ما يتحدّى به القرآن قرّاءه وباحثيه ومفسّريه وشرّاحه ومُؤوّليه؟
** أنت تثير هنا مشكلة عويصة في الفكر الإسلامي، تلك المتعلّقة بما يمكن أن يوصف به القرآن. لقد شاع بين المسلمين الإيمان بأن القرآن كلام إلهي. ولكن هذه المسلّمة حين نحلّلها نتبيّن أن المسلمين لم يراعوها دائما. على سبيل المثال، عندما استدلّوا على الإعجاز القرآني قارنوه بالخطاب البشري، كما وُجد الخطاب العربي في الشعر والنثر والحِكم والأمثال، أي أنهم عاملوه على أساس أنه لغة بشرية، وكثير من التصورات السائدة عن كون القرآن كلاما إلهيا هي تصورات ميثية. بينما يحقّ للمسلم أن يعتبر أن مصدر هذا الكلام هو الوحي، أو الإلهام الإلهي. ولكن القرآن، في الآن نفسه، هو كلام محمّد، أي كلام بشري، ونعثر فيه على تأثيرات تاريخية تدلّ على هذا البعد البشري. فلا شك، إذن، أن هذا الوحي يمرّ عبر شخصية الرسول. إذن فهو يتشكّل بحسب المعرفة التي توفّرت للرّسول. وهذه المعرفة محدودة بحدود المعرفة البشرية في القرن السابع الميلادي، وهي معرفة لا يمكن أن نُنكر تأثير الضمير الميثي فيها وحضوره حضورا مكثفا. لهذا فابتعاد المسلمين اليوم عن القول الساذج بأن القرآن كلام الله فقط، والإقرار ببعده البشري الدنيوي التاريخي، إذن النسبي، سيؤدي لا إلى تقويض الإيمان بهذا النصّ، بل إلى تأويل جديد له، يميّز بين قيمته هذه النسبية، من ناحية، وقيمته المطلقة، أو الفائقة للظروف المباشرة، من ناحية ثانية. وهذا التمشّي قد رأيته مناسبا لمفهوم ختم النبوّة من الخارج. يعني أن الرسول حرص على ألا يَبقى الإنسان حبيسا للقوى الغيبية، وأن يتحمّل مسؤوليته كاملة، وهو حرّ في اختياراته، سواء في أن يؤمن أو يكفر، أو، باختصار، في أن ينظّم حياته الفردية والجماعية على النحو الذي يرتضيه.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire