. ألفة يوسف صاحبة الكتاب الضجّة: «حيرة مسلمة» (3):
تونس ـ الشروق:
نواصل في هذا العدد، الغوص في كتاب وجزء من فكر د. ألفة يوسف... صاحبة «حيرة مسلمة» الذي أثار جدلا واسعا...
حاولنا، عبر ساعات اللقاء الذي جمعنا، في قاعة التحرير بمقر «الشروق» مع الأستاذة وحاملة شهادة دكتوراه الدولة، السيدة ألفة يوسف، أن نطرح عليها أكثر ما يمكن من أسئلة... بل إننا حاولنا، أن نستمع الى كل الاتجاهات في السؤال والنقد، خارج اطار هيئة التحرير، حتى تكون أسئلتنا، جزءا من حيرة القارئ تجاه «حيرة مسلمة».
ما يمكن أن نؤكّده، هنا، هو أن الدكتورة الضيفة على هذا الركن الجديد، الذي تقدّمه «الشروق» منتدى للحوار والجدل بالفكرة، لم تكن تعوزها الفكرة ولا تخونها الحجّة، ولا تغيب عن ردودها الطرفة...
تواصل د. ألفة يوسف، وفي هدوء الواثق مما أصدر للناس، الحوار، وقد بيّنت أن لها سعة صدر في تقبّل الأسئلة الناقدة، قد نجازف حين نقول إننا لم نلمسه لدى غيرها...
يتواصل الحوار، ويسألها أحد رؤساء التحرير الذين عملوا ثلاثيا، على النّبش في سطور الكتاب ومرجعياته، وفي خلفيات ألفة يوسف ومقاصد مكتوبها عن عنوان الكتاب وفحوى النص، وكيف أنها باختيارها هذا العنوان «حيرة مسلمة»، وكأنها ترفع اسلامها في وجه من له النيّة في التشكيك فيها.
1/
«حيرة مسلمة» هو عنوان للكتاب الذي تصرّحين فيه من البداية وبلا لُبس بانتسابك الى الاسلام عقيدة وثقافة... يعني أن افصاحك: «أنا مسلمة»... بينما نجد في جوهر الكتاب وفي كتابتك طوال مراحل البحث تعتمدين على مقدّمات «des postulats» في القراءة وأدوات في تأويل تنتمي الى مجال ومسار البحث فيه قد يعتبر المسلمات العقائدية حائلا دون المعرفة العلمية الموضوعية...
والسؤال الذي نضعه بين يديك دكتورة ألفة هو كيف وفّقت بين الانتماء الى الاسلام في مستوى العقيدة والانتماء الى حقل المعرفة العلمية في مستوى أدوات القراءة والتأويل؟
ـ تبتسم وتفرك يديها، كفّا بكف، وفي لطف معهود منها، ثم تقول: «بكل بساطة هذا يعود الى الثنائية التي كنت أشير إليها... ولا يعلم تأويله الا الله... يعني الحقيقة يعني الجوهر... الإيمان إذا شئت هو أمر يتّصل بالعقيدة... بالإيمان... ليس له حجّة أقول هذا وأكرّره دائما في كتبي لو كانت هناك حجّة على وجود الله حجّة نهائية.... قطعيّة... لما كان هناك أناس يؤمنون وأناس لا يؤمنون... «ولو شاء ربّك لآمن كل من في الأرض كلهم جميعا. أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»... ليس هناك حجّة نهائية وعقلية... يكذب من يريد أن يجعل للايمان أسسا عقليّة أو يقرأ القرآن بطريقة عقلية ليقول هذا كذا...
قال لها أحدنا في استغراب: هل تقصدين... الايمان بالغيب؟ قالت بلا تردّد: «الإيمان بالغيب بالضبط... يؤمنون بالغيب... يعني الايمان قلّ... حتى في أحاديث الرسول ے إذا أردنا أن نعتمد الأحاديث... بعضنا يعتمدها وبعضنا لا يفعل ذلك مـَن قال لا إله إلا الله خلص من قلبه... المسألة ليست عقليّة... أن تقولي لي أقنعيني بإيمانك بالله يمكن أن أقول ما شئت في المعرفة العلمية ولكن هو إحساس داخلي أشعر به... المعرفة العلمية تدخل في نطاق النسبية البشرية... في نطاق القراءات التي يعتمدها الناس... سواء أكانوا راسخين في العلم أم لا هذه أمور نسبية... لمحاولة فهم هذا النص الذي لن نفهمه لأنه بكل بساطة (النص القرآني) في لوح محفوظ الله يقول هذا... الله تعالى يقول: وقُدّم بلغة الى الناس... هل الله يتحدّث العربية... ليست المسألة بهذه البساطة والقضية طُرحت عند المعتزلة من قبل.
مشكلتنا اليوم أننا أصبحنا نعبد القرآن ونعبدالله... صعب أن نتّفق أن نعبد القرآن سنظل نعبد الله وهذا الفرق بين المتصوّفة والفقهاء... الفقهاء يريدون أن يؤسّسوا وهذا مشروع ضروري لبناء دولة، ولبناء أمة موحدة... لبناء نمط تفكير أيضا...
وهنا نسأل لماذا يقلق المتصوفة الفقهاء؟ لأنهم يقولون لهم نحن لسنا في حاجة إليكم... لسنا في حاجة إلى ما تقولون... قولوا ولكن نحن لنا علاقة مباشرة مع الله... وهذا ما يقلق... لماذا أقلق كتابي بعض الناس... لأنه يلغي هؤلاء... ليس معنى أن يلغيهم بأن يقول لهم اصمتوا لا تتكلموا ولن يضعهم في مسار نسبي... ليس ما أسمعه مرة دخلت محلا تجاريا لأشتري خبزا وجدت في المحل تلفازا وكانت هناك قناة تقول : اقرؤوا أسماء الله الحسنى، من يقرؤها يدخل الجنة... أليست هذه أمورا سخيفة... إنها سخيفة جدا ... لكنها تقوم بحث الناس... ولكني أرى أن حث الناس يجب أن يكون على أساس أن لا نكذب عليهم.
هنا سألها أحد رؤساء التحرير : أيهما أحسن أن يحفظوا أسماء الله الحسنى أو أن يسمعوا جورج وسوف؟
فقالت مبتسمة : لا يقلقني... حتى أن نسمع جورج وسوف ثم إن وسوف ليس مرادفا ولا مناقضا لأسماء الله الحسنى، المشكل في طريقة حث الناس على قراءة أسماء الله الحسنى... فهل صحيح أن قراءتها تدخل الإنسان الجنة؟ غير صحيح طبعا.
لكن جورج وسوف يستطيع أن يأخذنا الى متاهات أخرى؟... متاهات المتعة واللذة؟
عن هذا الاستفسار تقول الضيفة :
... ليست مشكلتي مع أسماء الله الحسنى... مشكلتي مع «من يحفظها ليدخل الجنة»... الله تعالى يشرع أنه هو من يدخل إلى الجنة... وأنه هو يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء...
هؤلاء الشيوخ يأخذون مكانة الله وكأن الله تعالى سيحال على البطالة آستغفر الله عن هذه الكلمة... شيء مضحك... يعرفون من سيدخل الجنة... أو أن تقول هذه الكلمة أربع مرات تدخل النار... هذا غير معقول في حين أن هناك أحاديث تؤكد أن الله تعالى هو الذي يدخل الى الجنة وهو الذي يدخل الى النار...
لكن بالأعمال والنوايا سيدخل الجنة أو النار... بالنوايا يعني بطلب الرحمة من الله .
الرسول ے قال لا يدخل أحد الجنة بأعماله بل برحمة الله تعالى... قال له ولا أنت يا رسول الله... قال له ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته... ليس معنى ذلك أننا نأتي الأشياء السلبية... لا... معناها الأعمال وحدها ليست حقا... الجنة ليست حقا مكتسبا... ليس معنى ذلك أننا نقرأ أسماء الله الحسنى وبعد... الطريقة التي تقدم بها الأشياء وكأنها «همبورغر» أمريكي... معناها نقوم بالموبقات وبمجرد أن نقرأ أسماء الله الحسنى فإن كل شيء انتهى... من قال هذا؟ الله جل جلاله لم يقله، ولارسوله.
وهنا عبرت المتحدثة عن قلقها من الذين يصرون على أنهم يمتلكون الحقيقة، والفتوى الأزلية... مشددة على أن الدين الإسلامي ليس فيه وساطة بين الخالق والمخلوق.
وهنا، ودون أن تنتظر بقية استفسار قالت : هؤلاء هم خائفون ـ أي الذين يفتون في الحلال والحرام، وفي من يدخل الجنة ومن يدخل النار ـ ويريدون أن يمنعوا الناس من الشكّ.. والشك هنا ليس بمعناه السلبي. إذ أن سرّ العلاقة المباشرة ما بين اللّه والإنسان، معروفة مسالكه.. صحيح أن الإيمان بالغيب هو بلا دلالة عقلانية أو عقلية، ولكنه أمر متعب.. اللّه سبحانه وتعالى، لا يتّصل بالناس إلا متى كانوا أنبياء أو من وراء حجاب.. وهم (أي الذين يفتون عبر الفضائيات وغيرهم) يريدون أن يمنعوا عنّا حتى هذه العلاقة «من وراء حجاب»..
إن الوضع الآن، ازداد تأزما.. وأضحت أشياء ملفتة، ومثيرة: فمثلا الآن ولكي تتصرف في شؤون حياتية عادية، يجب أن ترفع سماعة الهاتف، وتطلب الشيخ «فلانا» في الفضائية كذا، حتى تسأله في ما اعتبره تافها.. أي من قبيل، هل أن طلاء الأظافر، حرام أم حلال..؟ أو: هل أستطيع أن أتوضأ لآتي صلاتي، وأظافري مطلية..؟ في حين أننا نعلم، أنه وفي عهد الرسول ے لم يكن هناك طلاء أظافر.. هذه حيرة.. وأمور لا تحتاج إلى فقيه.. شخصيا، ليس لدي أي مشكل، لا مع الإيمان ولا مع التصرّف في حياتي.. أنا مرتاحة ومطمئنة في الكثير من الأشياء..
هنا بادرها أحد الحاضرين في هذه «الندوة» التي أمّنتها «الشروق» مع د. ألفة يوسف بالقول: لكن ماذا تقصدين بمرتاحة ومطمئنة؟
فردّت وهي تبتسم وكأنها انتظرت هذا الاستفسار لأن هذه ليست حيرة ألفة يوسف في العقيدة.. هي حيرة طرحتها على الناس.. وأن تلك الأسئلة التي قلتها.. عندي جواب عنها..
فردّ عليها أحدنا في استفسار آخر:... ولكن أنت استاذة وعندك الأدوات للتحليل ولا يعوزك السند لكن عندما ترمين هذه التساؤلات وسط العامة... فأنت تعرفين أن الايمان درجات... العام والخاص... وخاص الخاص... إلخ... ألا تعتقدين أنك ستعقّدين الأمر حيث قصدت حلّه؟
ـ لا هي حكاية سند ولا أحاديث ولا شيء.. كلنا من الداخل عندنا ومن المنظور الصوفي تلك النبضة الإلهية في داخلنا..
الإيمان بالمطمئن لا تصل إليه بالوسائل.. بالعقل.. نعم بالعقل..
* لكن أستاذة حين تقولين في كتابك مقولة «نعبد النص القرآني أم نعبد اللّه».. من أدراك أنت تحاسبين النوايا والأفئدة والوجدان الذي قلت إنه هو فيه النبضة الإلهية..؟
ـ المشكل أنا لا أحاسبهم.. هذا ما أراه.. الرسول ے قال اللهم ألهمنا إيمانا كإيمان العجائز.. إيمان العجائز هذه حاجة يعطيها اللّه.. الغزالي قال «نور قذفه اللّه في الصدر».. في آخر المطاف لأن العقل له حدود مهما أوتي من يقين..
هنا تقول ألفة يوسف: بالضبط، نحن متفقون ولكن إيمان العجائز ليس إيمانا يمر عن طريق الشيوخ أنا جدتي مثلا أو جدتك لم يكن عندها مشكل أو قضايا تطرحها من هذا النوع.. أنا جدتي مثلا كانت تذهب إلى العرس «بفوطة وبلوزة» وعندما تخرج ترتدي «سفساري».. بمعنى أن هناك قضايا جديدة باتت تطرح.. هي مرتاحة وتصلّي.
* بالنسبة لشيوخ الفضائيات يا أستاذة لك الحق في كل ما تقولينه بشأنهم.. هؤلاء الناس ربما البعض منهم صاروا سماسرة.. المنظومة السياسية والفكرية التي تحتضنهم وتدعمهم وربما عند هذه المنظومة أهداف في نفس يعقوب.. لكن نحن نتحدث هنا إزاء علامات في تاريخنا الإسلامي.. إزاء أئمة كبار.. وفقهاء كبار.. يعني تساؤلاتك ذهبت إلى خلخلة الموروث الذي تركوه وما فيه من مسلمات؟
ـ تقول الأستاذة ألفة يوسف وقد أعادها السؤال إلى فحوى كتابها حيرة مسلمة: «إذا كان كتاب الطبري أو تفسير الطبري فيه 14 جزءا، فأنا ناقشت منها أشياء بسيطة.. هناك أشياء لم أناقشها.. ربما غيري أقدر على مناقشتها..
(المصدر: جريدة "الشروق " (يومية – تونس) الصادرة يوم 10 أفريل 2009)
تونس ـ الشروق:
نواصل في هذا العدد، الغوص في كتاب وجزء من فكر د. ألفة يوسف... صاحبة «حيرة مسلمة» الذي أثار جدلا واسعا...
حاولنا، عبر ساعات اللقاء الذي جمعنا، في قاعة التحرير بمقر «الشروق» مع الأستاذة وحاملة شهادة دكتوراه الدولة، السيدة ألفة يوسف، أن نطرح عليها أكثر ما يمكن من أسئلة... بل إننا حاولنا، أن نستمع الى كل الاتجاهات في السؤال والنقد، خارج اطار هيئة التحرير، حتى تكون أسئلتنا، جزءا من حيرة القارئ تجاه «حيرة مسلمة».
ما يمكن أن نؤكّده، هنا، هو أن الدكتورة الضيفة على هذا الركن الجديد، الذي تقدّمه «الشروق» منتدى للحوار والجدل بالفكرة، لم تكن تعوزها الفكرة ولا تخونها الحجّة، ولا تغيب عن ردودها الطرفة...
تواصل د. ألفة يوسف، وفي هدوء الواثق مما أصدر للناس، الحوار، وقد بيّنت أن لها سعة صدر في تقبّل الأسئلة الناقدة، قد نجازف حين نقول إننا لم نلمسه لدى غيرها...
يتواصل الحوار، ويسألها أحد رؤساء التحرير الذين عملوا ثلاثيا، على النّبش في سطور الكتاب ومرجعياته، وفي خلفيات ألفة يوسف ومقاصد مكتوبها عن عنوان الكتاب وفحوى النص، وكيف أنها باختيارها هذا العنوان «حيرة مسلمة»، وكأنها ترفع اسلامها في وجه من له النيّة في التشكيك فيها.
1/
«حيرة مسلمة» هو عنوان للكتاب الذي تصرّحين فيه من البداية وبلا لُبس بانتسابك الى الاسلام عقيدة وثقافة... يعني أن افصاحك: «أنا مسلمة»... بينما نجد في جوهر الكتاب وفي كتابتك طوال مراحل البحث تعتمدين على مقدّمات «des postulats» في القراءة وأدوات في تأويل تنتمي الى مجال ومسار البحث فيه قد يعتبر المسلمات العقائدية حائلا دون المعرفة العلمية الموضوعية...
والسؤال الذي نضعه بين يديك دكتورة ألفة هو كيف وفّقت بين الانتماء الى الاسلام في مستوى العقيدة والانتماء الى حقل المعرفة العلمية في مستوى أدوات القراءة والتأويل؟
ـ تبتسم وتفرك يديها، كفّا بكف، وفي لطف معهود منها، ثم تقول: «بكل بساطة هذا يعود الى الثنائية التي كنت أشير إليها... ولا يعلم تأويله الا الله... يعني الحقيقة يعني الجوهر... الإيمان إذا شئت هو أمر يتّصل بالعقيدة... بالإيمان... ليس له حجّة أقول هذا وأكرّره دائما في كتبي لو كانت هناك حجّة على وجود الله حجّة نهائية.... قطعيّة... لما كان هناك أناس يؤمنون وأناس لا يؤمنون... «ولو شاء ربّك لآمن كل من في الأرض كلهم جميعا. أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»... ليس هناك حجّة نهائية وعقلية... يكذب من يريد أن يجعل للايمان أسسا عقليّة أو يقرأ القرآن بطريقة عقلية ليقول هذا كذا...
قال لها أحدنا في استغراب: هل تقصدين... الايمان بالغيب؟ قالت بلا تردّد: «الإيمان بالغيب بالضبط... يؤمنون بالغيب... يعني الايمان قلّ... حتى في أحاديث الرسول ے إذا أردنا أن نعتمد الأحاديث... بعضنا يعتمدها وبعضنا لا يفعل ذلك مـَن قال لا إله إلا الله خلص من قلبه... المسألة ليست عقليّة... أن تقولي لي أقنعيني بإيمانك بالله يمكن أن أقول ما شئت في المعرفة العلمية ولكن هو إحساس داخلي أشعر به... المعرفة العلمية تدخل في نطاق النسبية البشرية... في نطاق القراءات التي يعتمدها الناس... سواء أكانوا راسخين في العلم أم لا هذه أمور نسبية... لمحاولة فهم هذا النص الذي لن نفهمه لأنه بكل بساطة (النص القرآني) في لوح محفوظ الله يقول هذا... الله تعالى يقول: وقُدّم بلغة الى الناس... هل الله يتحدّث العربية... ليست المسألة بهذه البساطة والقضية طُرحت عند المعتزلة من قبل.
مشكلتنا اليوم أننا أصبحنا نعبد القرآن ونعبدالله... صعب أن نتّفق أن نعبد القرآن سنظل نعبد الله وهذا الفرق بين المتصوّفة والفقهاء... الفقهاء يريدون أن يؤسّسوا وهذا مشروع ضروري لبناء دولة، ولبناء أمة موحدة... لبناء نمط تفكير أيضا...
وهنا نسأل لماذا يقلق المتصوفة الفقهاء؟ لأنهم يقولون لهم نحن لسنا في حاجة إليكم... لسنا في حاجة إلى ما تقولون... قولوا ولكن نحن لنا علاقة مباشرة مع الله... وهذا ما يقلق... لماذا أقلق كتابي بعض الناس... لأنه يلغي هؤلاء... ليس معنى أن يلغيهم بأن يقول لهم اصمتوا لا تتكلموا ولن يضعهم في مسار نسبي... ليس ما أسمعه مرة دخلت محلا تجاريا لأشتري خبزا وجدت في المحل تلفازا وكانت هناك قناة تقول : اقرؤوا أسماء الله الحسنى، من يقرؤها يدخل الجنة... أليست هذه أمورا سخيفة... إنها سخيفة جدا ... لكنها تقوم بحث الناس... ولكني أرى أن حث الناس يجب أن يكون على أساس أن لا نكذب عليهم.
هنا سألها أحد رؤساء التحرير : أيهما أحسن أن يحفظوا أسماء الله الحسنى أو أن يسمعوا جورج وسوف؟
فقالت مبتسمة : لا يقلقني... حتى أن نسمع جورج وسوف ثم إن وسوف ليس مرادفا ولا مناقضا لأسماء الله الحسنى، المشكل في طريقة حث الناس على قراءة أسماء الله الحسنى... فهل صحيح أن قراءتها تدخل الإنسان الجنة؟ غير صحيح طبعا.
لكن جورج وسوف يستطيع أن يأخذنا الى متاهات أخرى؟... متاهات المتعة واللذة؟
عن هذا الاستفسار تقول الضيفة :
... ليست مشكلتي مع أسماء الله الحسنى... مشكلتي مع «من يحفظها ليدخل الجنة»... الله تعالى يشرع أنه هو من يدخل إلى الجنة... وأنه هو يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء...
هؤلاء الشيوخ يأخذون مكانة الله وكأن الله تعالى سيحال على البطالة آستغفر الله عن هذه الكلمة... شيء مضحك... يعرفون من سيدخل الجنة... أو أن تقول هذه الكلمة أربع مرات تدخل النار... هذا غير معقول في حين أن هناك أحاديث تؤكد أن الله تعالى هو الذي يدخل الى الجنة وهو الذي يدخل الى النار...
لكن بالأعمال والنوايا سيدخل الجنة أو النار... بالنوايا يعني بطلب الرحمة من الله .
الرسول ے قال لا يدخل أحد الجنة بأعماله بل برحمة الله تعالى... قال له ولا أنت يا رسول الله... قال له ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته... ليس معنى ذلك أننا نأتي الأشياء السلبية... لا... معناها الأعمال وحدها ليست حقا... الجنة ليست حقا مكتسبا... ليس معنى ذلك أننا نقرأ أسماء الله الحسنى وبعد... الطريقة التي تقدم بها الأشياء وكأنها «همبورغر» أمريكي... معناها نقوم بالموبقات وبمجرد أن نقرأ أسماء الله الحسنى فإن كل شيء انتهى... من قال هذا؟ الله جل جلاله لم يقله، ولارسوله.
وهنا عبرت المتحدثة عن قلقها من الذين يصرون على أنهم يمتلكون الحقيقة، والفتوى الأزلية... مشددة على أن الدين الإسلامي ليس فيه وساطة بين الخالق والمخلوق.
وهنا، ودون أن تنتظر بقية استفسار قالت : هؤلاء هم خائفون ـ أي الذين يفتون في الحلال والحرام، وفي من يدخل الجنة ومن يدخل النار ـ ويريدون أن يمنعوا الناس من الشكّ.. والشك هنا ليس بمعناه السلبي. إذ أن سرّ العلاقة المباشرة ما بين اللّه والإنسان، معروفة مسالكه.. صحيح أن الإيمان بالغيب هو بلا دلالة عقلانية أو عقلية، ولكنه أمر متعب.. اللّه سبحانه وتعالى، لا يتّصل بالناس إلا متى كانوا أنبياء أو من وراء حجاب.. وهم (أي الذين يفتون عبر الفضائيات وغيرهم) يريدون أن يمنعوا عنّا حتى هذه العلاقة «من وراء حجاب»..
إن الوضع الآن، ازداد تأزما.. وأضحت أشياء ملفتة، ومثيرة: فمثلا الآن ولكي تتصرف في شؤون حياتية عادية، يجب أن ترفع سماعة الهاتف، وتطلب الشيخ «فلانا» في الفضائية كذا، حتى تسأله في ما اعتبره تافها.. أي من قبيل، هل أن طلاء الأظافر، حرام أم حلال..؟ أو: هل أستطيع أن أتوضأ لآتي صلاتي، وأظافري مطلية..؟ في حين أننا نعلم، أنه وفي عهد الرسول ے لم يكن هناك طلاء أظافر.. هذه حيرة.. وأمور لا تحتاج إلى فقيه.. شخصيا، ليس لدي أي مشكل، لا مع الإيمان ولا مع التصرّف في حياتي.. أنا مرتاحة ومطمئنة في الكثير من الأشياء..
هنا بادرها أحد الحاضرين في هذه «الندوة» التي أمّنتها «الشروق» مع د. ألفة يوسف بالقول: لكن ماذا تقصدين بمرتاحة ومطمئنة؟
فردّت وهي تبتسم وكأنها انتظرت هذا الاستفسار لأن هذه ليست حيرة ألفة يوسف في العقيدة.. هي حيرة طرحتها على الناس.. وأن تلك الأسئلة التي قلتها.. عندي جواب عنها..
فردّ عليها أحدنا في استفسار آخر:... ولكن أنت استاذة وعندك الأدوات للتحليل ولا يعوزك السند لكن عندما ترمين هذه التساؤلات وسط العامة... فأنت تعرفين أن الايمان درجات... العام والخاص... وخاص الخاص... إلخ... ألا تعتقدين أنك ستعقّدين الأمر حيث قصدت حلّه؟
ـ لا هي حكاية سند ولا أحاديث ولا شيء.. كلنا من الداخل عندنا ومن المنظور الصوفي تلك النبضة الإلهية في داخلنا..
الإيمان بالمطمئن لا تصل إليه بالوسائل.. بالعقل.. نعم بالعقل..
* لكن أستاذة حين تقولين في كتابك مقولة «نعبد النص القرآني أم نعبد اللّه».. من أدراك أنت تحاسبين النوايا والأفئدة والوجدان الذي قلت إنه هو فيه النبضة الإلهية..؟
ـ المشكل أنا لا أحاسبهم.. هذا ما أراه.. الرسول ے قال اللهم ألهمنا إيمانا كإيمان العجائز.. إيمان العجائز هذه حاجة يعطيها اللّه.. الغزالي قال «نور قذفه اللّه في الصدر».. في آخر المطاف لأن العقل له حدود مهما أوتي من يقين..
هنا تقول ألفة يوسف: بالضبط، نحن متفقون ولكن إيمان العجائز ليس إيمانا يمر عن طريق الشيوخ أنا جدتي مثلا أو جدتك لم يكن عندها مشكل أو قضايا تطرحها من هذا النوع.. أنا جدتي مثلا كانت تذهب إلى العرس «بفوطة وبلوزة» وعندما تخرج ترتدي «سفساري».. بمعنى أن هناك قضايا جديدة باتت تطرح.. هي مرتاحة وتصلّي.
* بالنسبة لشيوخ الفضائيات يا أستاذة لك الحق في كل ما تقولينه بشأنهم.. هؤلاء الناس ربما البعض منهم صاروا سماسرة.. المنظومة السياسية والفكرية التي تحتضنهم وتدعمهم وربما عند هذه المنظومة أهداف في نفس يعقوب.. لكن نحن نتحدث هنا إزاء علامات في تاريخنا الإسلامي.. إزاء أئمة كبار.. وفقهاء كبار.. يعني تساؤلاتك ذهبت إلى خلخلة الموروث الذي تركوه وما فيه من مسلمات؟
ـ تقول الأستاذة ألفة يوسف وقد أعادها السؤال إلى فحوى كتابها حيرة مسلمة: «إذا كان كتاب الطبري أو تفسير الطبري فيه 14 جزءا، فأنا ناقشت منها أشياء بسيطة.. هناك أشياء لم أناقشها.. ربما غيري أقدر على مناقشتها..
(المصدر: جريدة "الشروق " (يومية – تونس) الصادرة يوم 10 أفريل 2009)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire