البحث والدراسة قبل الإذاعة والإعلام
جاء في مقال للسيد رضوان عبيد بعنوان" هل تكفي الزيتونة " ( الصباح 6-7-2008) ما يلي:
" ماإنفكّ عدد الفضائيات العربية يتضاعف في السنوات الأخيرة حتى وصل الآن إلى أكثر من 500 قناة من بينها عشرات القنوات الدينية التي تعمل على نشر الفكر المتطرف ودفع المجتمعات العربية إلى الإرتداد عن الحداثة. هذه الفضائيات تخاطب الملايين والملايين,بمن فيهم الأمّيُّون الذين يتجاوز تعدادهم في العالم العربي المائة مليون. وأخصُّ بالذكر هنا قناة الجزيرة التي وصفها جورج طرابيشي» بأنّها أوسع القنوات العربية نفوذا وتأثيرا باعتمادها إستراتيجية ذكية تقوم على إحتضان التعددية السياسية, التي يفتقدها أشد الإفتقاد العالم العربي, لتمرير واحدية دينية نكوصية. و الحاضنة المادية لهذه الفضائيات هي الدولارات النفطية التي وُظّفت بمليارات ومليارات في خدمة إستراتيجية الإنتقاض على عصر النهضة وموروثه الثقافي، وتحويل قيادة الفكر العربي المعاصر من الأفغاني والكواكبي وقاسم أمين والطّاهر الحدّاد وفرح أنطون وطه حسين وسائر النّهضويين إلى إبن تيميّة وتلامذته من النيو-وهابيين وإلى سائر مجددي السلفية المتزمتة في القرن العشرين بدءا بسيّد قطب وإنتهاء بيوسف القرضاوي« . فماذا فعلنا نحن في تونس لمواجهة هذه الهجمة الشرسة الآتية من السّماء؟ هل تكفي إذاعة الزيتونة لدحض هذا الكم الهائل من الفكر المتشدد والمنهمر علينا طوال الليل والنهار؟ هل تكفي إذاعة مسموعة وحيدة لخلق أيّ توازن أمام عشرات القنوات المرئيّة؟"
هكذا يتساءل كاتب المقال إن كانت إذاعة الزيتونة تكفي لدحض الكم الهائل من الفكر المتشدد والمنهمر علينا طوال الليل والنهار..
يذكرني القول بأن الزيتونة وبناتها ستدحض الكم الهائل من الفكر المتشدد بمقولات سحب البساط من تحت أقدام الأصوليين التي ظهرت في تسعينات القرن الماضي. هل سُُحب البساط حقا أم مدت البُسُط بإقفال المقاهي والمطاعم في شهر رمضان وإرسال الآذان بواسطة مضخمات الصوت وإضافة عبارات "الصلاة خير من النوم" في آذان الصلاة الأولى وتحمل الدولة المهمة العظيمة والتاريخية المتمثلة في الدعاء لكي يحقق الله ما وعد به رسوله من المنزلة الرفيعة والمقام المحمود إلخ...Ị؟
هل ستعلي إذاعة الزيتونة من مرتبة العقل والحكمة فوق مرتبة الفقه واللاهوت الديني أم هي تعمل العكس؟
هل سترفع تلك الإذاعة من شأن رجال الحكمة وفلسفة العقل والأنوار والحرية ورجال العلم والمعارف العلمية الحديثة أم هي بالعكس ترفع من شأن فقهاء اللاهوت الديني وتسلطهم على ضمائرنا وحياتنا؟
لا بد من تقويم جاد لما تنشره هاته الإذاعة قبل طلب المزيد من الإذاعات المماثلة.
إنك حين تركب سيارة الأجرة أو التاكسي لا بد أن تسمع برامج هاته الإذاعة لأن سائق التاكسي أو سيارة الأجرة، رغم أنه ليس من أتباع بن لادن أو الزرقاوي بالضرورة، كثيرا ما يعتقد أن ترتيل آيات قرآنية سيََقيه من كل الحوادث في الطريق ويوفر له ما اشتهى من الحرفاء.. ستسمع من صحفيي الزيتونة مثلا كيف أن التقوى تكون بالمواظبة على صلاة الجماعة في المسجد ولا يهم إن تجانب في الصلاة ومناجاة الرب الصادقۥ والسفيهۥ أو المجتهدۥ والسارق.. كل ما تريده الإذاعة هو أن تكتظّ المساجد بالمصلين.. هكذا يتأكد الأصوليون من أن الدولة التونسية لا تسعى لتجفيف منابع التدين .. إذاعة الزيتونة ليس لها، حسب المنطق الخاص بمجتمعاتنا العربية الإسلامية، أن تعتبر بقول المسيح بأن الصلاة في البيت خير منها في مجامع الخطابة والتظاهر بالتقوى بل عليها الالتزام بالرضا على من يؤدي الطقوس "وإن زنى وإن سرق"...
حينََ، في سيارة الأجرة في القرن الواحد والعشرين، تسمع أحد صحافيي إذاعة الزيتونة يتحدث عن الزكاة في شهر رمضان فيقول بأن الزكاة واجبة، خارج الأداء للدولة العصرية، مالا أو شعيرا بنفس المقدار على العبد وسيده، ستنتابك الدهشة ويأخذك السؤال حول ما تقوم به إذاعة الزيتونة وما تنشره من فكر وسلوك: هل تعتبر إذاعة الزيتونة أنه من واجبنا إعادة النظام العبودي أو السماح به أم هي تخلط بين نظام العبودية والواقع الحالي لعلاقات العمل؟..
هل ستذهب إذاعة الزيتونة إلى أبعد من وزارة التعليم العالي فتدين الأستاذة المحجَّبة التي طردت طالبة من قاعة الامتحان بسبب انكشاف ذراعيها..؟
هل ستذهب إذاعة الزيتونة إلى أبعد من وزارة الشؤون الدينية فتحاجج السيد المفتي وتقنعه بأن الدين ينبغي أن يكون رحمة للناس ولا يجوز أن يوظف لإلغاء زواج وتشتيت عائلة .. وبأنه لا يجوز الاعتماد على المذهب المالكي حين يوصل إلى الطلاق بل يجوز اللجوء إلى المذهب الحنفي لمصلحة الزوجين ، وبأنه ينبغي الاحتكام إلى قوانين العصر ما دامت هي التي تحفظ حرية الزوجين في الاختيار بين الطلاق أو الإبقاء على العلاقة الزوجية..
ما عسى الإعلام الديني، ومن ضمنه إذاعة الزيتونة، أن يحققه في غياب الإصلاح الديني؟
إن الإصلاح الديني لن يحصل بدوره إلا بعد فتح كل ملفات الفكر الديني بواسطة الإنسان الحر وحكمته وبعد بسط كل مسلمات الخطاب الديني على طاولة البحث والدراسة بواسطة قيم العصر وعلومه الحديثة..
ما يلزمنا ليس أرقاما جديدة لأبواق الإعلام المذهبي الديني بل مراكز للبحث والدراسة في إطار الحرية المطلقة للعقل والإيمان الكامل بمقدرة الإنسان على تطوير معتقداته نحو الأحسن والأجمل والأحق...
زهير الشرفي
تونس 7--7-2008-
جاء في مقال للسيد رضوان عبيد بعنوان" هل تكفي الزيتونة " ( الصباح 6-7-2008) ما يلي:
" ماإنفكّ عدد الفضائيات العربية يتضاعف في السنوات الأخيرة حتى وصل الآن إلى أكثر من 500 قناة من بينها عشرات القنوات الدينية التي تعمل على نشر الفكر المتطرف ودفع المجتمعات العربية إلى الإرتداد عن الحداثة. هذه الفضائيات تخاطب الملايين والملايين,بمن فيهم الأمّيُّون الذين يتجاوز تعدادهم في العالم العربي المائة مليون. وأخصُّ بالذكر هنا قناة الجزيرة التي وصفها جورج طرابيشي» بأنّها أوسع القنوات العربية نفوذا وتأثيرا باعتمادها إستراتيجية ذكية تقوم على إحتضان التعددية السياسية, التي يفتقدها أشد الإفتقاد العالم العربي, لتمرير واحدية دينية نكوصية. و الحاضنة المادية لهذه الفضائيات هي الدولارات النفطية التي وُظّفت بمليارات ومليارات في خدمة إستراتيجية الإنتقاض على عصر النهضة وموروثه الثقافي، وتحويل قيادة الفكر العربي المعاصر من الأفغاني والكواكبي وقاسم أمين والطّاهر الحدّاد وفرح أنطون وطه حسين وسائر النّهضويين إلى إبن تيميّة وتلامذته من النيو-وهابيين وإلى سائر مجددي السلفية المتزمتة في القرن العشرين بدءا بسيّد قطب وإنتهاء بيوسف القرضاوي« . فماذا فعلنا نحن في تونس لمواجهة هذه الهجمة الشرسة الآتية من السّماء؟ هل تكفي إذاعة الزيتونة لدحض هذا الكم الهائل من الفكر المتشدد والمنهمر علينا طوال الليل والنهار؟ هل تكفي إذاعة مسموعة وحيدة لخلق أيّ توازن أمام عشرات القنوات المرئيّة؟"
هكذا يتساءل كاتب المقال إن كانت إذاعة الزيتونة تكفي لدحض الكم الهائل من الفكر المتشدد والمنهمر علينا طوال الليل والنهار..
يذكرني القول بأن الزيتونة وبناتها ستدحض الكم الهائل من الفكر المتشدد بمقولات سحب البساط من تحت أقدام الأصوليين التي ظهرت في تسعينات القرن الماضي. هل سُُحب البساط حقا أم مدت البُسُط بإقفال المقاهي والمطاعم في شهر رمضان وإرسال الآذان بواسطة مضخمات الصوت وإضافة عبارات "الصلاة خير من النوم" في آذان الصلاة الأولى وتحمل الدولة المهمة العظيمة والتاريخية المتمثلة في الدعاء لكي يحقق الله ما وعد به رسوله من المنزلة الرفيعة والمقام المحمود إلخ...Ị؟
هل ستعلي إذاعة الزيتونة من مرتبة العقل والحكمة فوق مرتبة الفقه واللاهوت الديني أم هي تعمل العكس؟
هل سترفع تلك الإذاعة من شأن رجال الحكمة وفلسفة العقل والأنوار والحرية ورجال العلم والمعارف العلمية الحديثة أم هي بالعكس ترفع من شأن فقهاء اللاهوت الديني وتسلطهم على ضمائرنا وحياتنا؟
لا بد من تقويم جاد لما تنشره هاته الإذاعة قبل طلب المزيد من الإذاعات المماثلة.
إنك حين تركب سيارة الأجرة أو التاكسي لا بد أن تسمع برامج هاته الإذاعة لأن سائق التاكسي أو سيارة الأجرة، رغم أنه ليس من أتباع بن لادن أو الزرقاوي بالضرورة، كثيرا ما يعتقد أن ترتيل آيات قرآنية سيََقيه من كل الحوادث في الطريق ويوفر له ما اشتهى من الحرفاء.. ستسمع من صحفيي الزيتونة مثلا كيف أن التقوى تكون بالمواظبة على صلاة الجماعة في المسجد ولا يهم إن تجانب في الصلاة ومناجاة الرب الصادقۥ والسفيهۥ أو المجتهدۥ والسارق.. كل ما تريده الإذاعة هو أن تكتظّ المساجد بالمصلين.. هكذا يتأكد الأصوليون من أن الدولة التونسية لا تسعى لتجفيف منابع التدين .. إذاعة الزيتونة ليس لها، حسب المنطق الخاص بمجتمعاتنا العربية الإسلامية، أن تعتبر بقول المسيح بأن الصلاة في البيت خير منها في مجامع الخطابة والتظاهر بالتقوى بل عليها الالتزام بالرضا على من يؤدي الطقوس "وإن زنى وإن سرق"...
حينََ، في سيارة الأجرة في القرن الواحد والعشرين، تسمع أحد صحافيي إذاعة الزيتونة يتحدث عن الزكاة في شهر رمضان فيقول بأن الزكاة واجبة، خارج الأداء للدولة العصرية، مالا أو شعيرا بنفس المقدار على العبد وسيده، ستنتابك الدهشة ويأخذك السؤال حول ما تقوم به إذاعة الزيتونة وما تنشره من فكر وسلوك: هل تعتبر إذاعة الزيتونة أنه من واجبنا إعادة النظام العبودي أو السماح به أم هي تخلط بين نظام العبودية والواقع الحالي لعلاقات العمل؟..
هل ستذهب إذاعة الزيتونة إلى أبعد من وزارة التعليم العالي فتدين الأستاذة المحجَّبة التي طردت طالبة من قاعة الامتحان بسبب انكشاف ذراعيها..؟
هل ستذهب إذاعة الزيتونة إلى أبعد من وزارة الشؤون الدينية فتحاجج السيد المفتي وتقنعه بأن الدين ينبغي أن يكون رحمة للناس ولا يجوز أن يوظف لإلغاء زواج وتشتيت عائلة .. وبأنه لا يجوز الاعتماد على المذهب المالكي حين يوصل إلى الطلاق بل يجوز اللجوء إلى المذهب الحنفي لمصلحة الزوجين ، وبأنه ينبغي الاحتكام إلى قوانين العصر ما دامت هي التي تحفظ حرية الزوجين في الاختيار بين الطلاق أو الإبقاء على العلاقة الزوجية..
ما عسى الإعلام الديني، ومن ضمنه إذاعة الزيتونة، أن يحققه في غياب الإصلاح الديني؟
إن الإصلاح الديني لن يحصل بدوره إلا بعد فتح كل ملفات الفكر الديني بواسطة الإنسان الحر وحكمته وبعد بسط كل مسلمات الخطاب الديني على طاولة البحث والدراسة بواسطة قيم العصر وعلومه الحديثة..
ما يلزمنا ليس أرقاما جديدة لأبواق الإعلام المذهبي الديني بل مراكز للبحث والدراسة في إطار الحرية المطلقة للعقل والإيمان الكامل بمقدرة الإنسان على تطوير معتقداته نحو الأحسن والأجمل والأحق...
زهير الشرفي
تونس 7--7-2008-
1 commentaire:
Fanatisme à la saoudienne, abrutissement à la tunisienne, y a-t-il vraiment une différence? Olfa Youssef fait l'erreur, comme tant d'autres, d'attendre le salut et les lumières d'un discours religieux quelconque dit "moderne" et ne voit pas qu'il ne s'agit pas de ça. Quand le peuple sera bien logé et nourri, aura un niveau de vie décent, une vraie égalité des chances, face aux tribunaux et dans les universités, quand il jouira d'une liberté d'expression et d'un pouvoir de changement, quand il aura accès à tout type de savoir librement et quand on débloquera le contrôle de l'édition des livres, alors peut-être pourra-t-on s'éloigner du fanatisme. Nietzsche, pour décrire les effets et les causes, prends l'exemple d'une explosion : les gens normaux considèrent comme cause cette main qui a allumé la mèche. Olfa Youssef fait un travail de longue haleine (inutile à mon avis, mais bon) pour changer la situation en prenant la mèche en elle-même pour cause. C'est bien, c'est plus profond que la masse du peuple. Mais les philosophes eux, ne voient ni la mèche ni la personne qui l'allume, mais le barril de poudre qu'il y a derrière. A méditer.
Enregistrer un commentaire