فإذا نظرنا الآن في مضمون الصّورة في صنفي البرامج لوجدنا أنّ الصّنف الأوّل من البرامج (أي البرامج التّصريحيّة) قائمة في جلّ الأحيان على المسابقات الفكريّة أو البدنيّة.وهي مسابقات يشارك فيها الأطفال من الجنسين.فغالبا ما تكون الأسئلة موجّهة بلا تفرقة إلى الإناث أو الذّكور وغالبا ما يُطلب من كلا الجنسين ممارسة الأنشطة البدنيّة ذاتها.ولئن كان غياب التّمييز في مجال الألعاب البدنيّة قابلا لأن يُفسّر بتنزّل هذه الألعاب في مجال اللهو والمرح وهو مجال طفوليّ لا ترى الذّهنيّة الاجتماعية فيه بين الذّكور والإناث تمييزا في سنوات الطّفولة على الأقلّ،فإنّ لغياب التّمييز بين الذّكور والإناث في طبيعة الأسئلة المطروحة في المسابقات الفكريّة ما قد يفيد اشتراكا في تصوّر المعرفة مكتسبة أي في غير علاقة مع المعطى البيولوجيّ الأوّل.ولهذا الموقف صدى في الواقع العربيّ حيث نجد جلّ الدّول العربيّة اليوم ترى التّعليم حقّا مشتركا بين الذّكور والإناث وهو ما لم يكن عليه الحال في أوائل القرن الماضي مثلا.
على أنّ برامج الألعاب والمسابقات هذه قد تقوم في بعض الأحيان على تقسيم الفرق المتبارية إلى مجموعات من الأطفال الذّكور وأخرى من الأطفال الإناث.ومثل هذا التّقسيم ينشئ حماسا واضحا لدى المتسابقين يؤكّد فكرة أساسيّة سنعود إليها وهي أنّ الإحساس بالانتماء الجنسيّ أمر سابق لتأثير الصّورة.ولا أفضل من مفهوم المجموعة الرّياضيّ تجسيما لمعنى الانتماء الّذي يتجاوز بعد الاستقلال (أي إحساس الذّكر بانتمائه إلى الذّكور وإحساس الأنثى بانتمائها إلى الإناث) ليقوم بعدا جدليّا إذ لا يشعر الطّفل بانتمائه إلى مجموعة الذّكور إلاّ بإحساس محايث يعدم انتمائه إلى مجموعة الإناث والعكس بالعكس.
على أنّ ما تجسّمه البرامج "المباشرة" من تواز بين صورة الأطفال الذّكور وصورة الأطفال الإناث يغيب في جلّ البرامج الخياليّة أي في جلّ الحكايات سواء تجسّمت في إطار الصّور المتحرّكة أو في غيرها حيث نجد صورة طرازيّة للذّكر والأنثى قلّما تحيد عنها بعض البرامج. ولئن كان من النّادر أن نجد قنوات متخصّصة في برامج الأطفال الذّكور وأخرى في برامج الأطفال الإناث فإنّه من الشّائع أن نجد هذه القنوات تصرّح بأنّها تقسّم برامجها وفق فترات زمنيّة تتجه تداوليّا للذّكور وللإناث.والتّصريح بهذا التّقسيم أقلّ تأثيرا في لاوعي الطّفل من إضماره في الصّور الموازية (para-images) حيث نجد المشرفين على الإشهار يقدّمون ضربا من الومضات الإشهاريّة قبل وأثناء البرامج المتوجّهة افتراضا إلى الذّكور،ويقدّمون ضربا آخر من الومضات الإشهاريّة قبل وأثناء البرامج المتوجّهة افتراضا إلى الإناث.
فإذا نظرنا في هذه البرامج ذاتها وجدناها قائمة على صورة طرازيّة لكلّ من الذّكر والأنثى،ويمكن أن نصرّح منذ البدء بأنّها صورة تنشئ توازيا بين الذّكر والفعل(activité) يقابله تواز آخر بين الأنثى والانفعال(passivité).وعن هذه الثّنائيّة الأصليّة تتولّد سائر الثّنائيّات الأخرى.ويمكن أن نضرب بعض الأمثلة لهذه الثّنائيّة،من ذلك أنّ جلّ أبطال القصص التّخييليّة من الذّكور وتزيد هذه النّسبة إذا كان البطل متفوّقا في إحدى الرّياضات (كرة قدم أو سباق سيّارات...) أو مواجها ل"قوى الشّرّ".وإذا كانت البطلة الفاعلة في الصّراع أنثى فهي في كثير من الأحيان إمّا متشبّهة بالذّكور في ثيابها وهيئتها(أوسكار)،وفي هذه الحال قد تخفي هويّتها الجنسيّة عن المقرّبين منها(مولان) أو هي من البطلات الخارقات اللواتي يتميّزن بقوى فوق العادة تجعلهنّ أقرب إلى صورة السّاحرة الطّرازيّة الشّائعة في القرون الوسطى منها إلى البطلة الفاعلة.على أنّ تواتر البطولات الذّكوريّة في القصص التّخييليّة لا ينفي الحضور الأنثويّ وهو حضور تجسّمه غالبا إحدى الفتيات الّتي تربطها بالبطل علاقة عاطفيّة حميمة ويقتصر دورها على تشجيع البطل أو مساندته(كابتن ماجد مثلا).
أمّا إذا كانت البطولة أنثويّة فإنّنا نجد البطلة مفتقرة في أغلب الأحيان إلى حماية الذّكر المادّية والمعنويّة.فهو الّذي يصدّ عنها أذى المعتدين أو يردعها إذ تأتي أعمالا خرقاء(حمراء حمراء والذّئب مثلا)،أو إنّه يمثُل في أفق انتظارها كي يخرجها من حالة البؤس والفقر الّذي تقاسيه(سندرلاّ مثلا).وفي هذه الحال يكون سلاحها الأساسيّ جمالا فتّانا وسحرا طاغيا يجعلان البطل الذّكر الأمير يقع أسير هواها.
وعموما فإنّ الصّورة الّتي تقدّمها الفضائيّات للطّفل لا تخرج عن القوالب الاجتماعيّة الشّائعة الّتي تجعل الذّكر متميّزا بالقوّة والحنكة ورجاحة العقل وتجعل الأنثى متميّزة بالضّعف والافتقار إلى ذكر تفتنه بجمالها.ولا نودّ أن نحكم على هذه الصّور (إيجابيّا كان الحكم أو سلبا) ذلك أنّ الحكم المعياريّ السّريع يخرجنا من الموضع العلميّ التّحليليّ الّذي ننشده إلى موقع إيديولوجيّ لعلّ الدّراسات النّسويّة تمثّله أفضل تمثيل.ولكنّنا نودّ أن نبحث في سبل تأثير هذه الصّور في تصوّر كلّ جنس لذاته ولعلاقته مع الجنس الآخر لا سيّما أنّ المسألة تخصّ الطّفل أي شابّ المستقبل.
أوّل ما نلاحظه أنّ الصّور التّلفزيونيّة الّتي عرضنا ليست خاصّة بالبلاد العربيّة ولكنّها تتجاوزها إلى كلّ تلفزات العالم.وهذا أمر بديهيّ إذا علمنا ندرة الإنتاج التّلفزيونيّ العربيّ للطّفل العربيّ من جهة وانفتاح الطّفل على الفضائيّات جميعها في عصر هوت فيه كلّ حدود للصّورة.ولكن هل تعني نمطيّة صورة الجنسين كلّ واحد لنفسه وللآخر تماثلا في تقبّل هذه الصّورة في كلّ بلدان العالم؟
للإجابة عن هذا السّؤال علينا أن نميّز بين منظورين مختلفين لتفاعل المرء مع هويّته الجنسيّة.المنظور الأوّل هو المنظور النّفسيّ وقد أشرنا إلى بعض وجوهه.وأسلفنا أنّ شعور الطّفل بالانتماء الجنسيّ هو من المجال الرّمزيّ أي إنّه يسبق البعد الخياليّ.ولا شكّ أنّ هذا الشّعور يقوم في الأصل على تمييز بين الذّكوريّ والأنثويّ لغويّا ويتجسّم تمييزا بين الفعل والانفعال والجماعيّ والفرديّ والعقل والشّوق والحياة والموت.وهذا الانتماء الجنسيّ الرّمزيّ يتميّز بأنّه يتمّ في مستوى اللاوعي ،ويتميّز بأنّه تمييز وصفيّ أي إنّه يحدّد السّمات النّفسيّة اللاّواعية لكلّ جنس دون أن يفضّل أحد الجنسين على الآخر.وهذا التّمييز الّذي يسبق الصّورة يؤكّد أنّ الصّورة في هذا المستوى لا تنشئ الهويّة الجنسيّة وإنّما تقتصر على ترسيخها.
أمّا المنظور الثّاني فهو المنظور الاجتماعيّ،وهو ذاك الّذي يتجاوز الإحساس بالانتماء إلى جنس مّا إلى الحكم على ذلك الجنس وفق ذهنيّة المجتمع الّذي ينتمي إليه المشاهد واستنادا إلى منظومته القيميّة.وهنا نخرج من الصّورة اللاّواعية للجسد الّتي تعرض لها دولتو إلى الصّورة الواعية للجسد الاجتماعيّ وفق عبارة عالم الاجتماع الشّهير بيير بورديو(Pierre Bourdieu).ولئن كانت صورة الهويّة الجنسيّة من منظورها النّفسيّ المتجسّمة في مجال الوعي متميّزة بالثّبوت والاستقرار لاتّصالها بتسمية البيولوجيّ،فإنّ صورة الجسد الاجتماعيّ لا تعدو أن تكون صورة تاريخيّة أي إنّها قابلة للتّحوّل والتّبدّل.على أنّ جميع المؤسّسات الوسائطيّة تنشد تثبيتها وتحويلها من مجال التّاريخي الثّقافي الممكن إلى مجال الطّبيعيّ القارّ الكائن.ومن أبرز هذه المؤسّسات المؤسّسة الفقهيّة والسّياسيّة والأدبيّة.وتنضاف إليها مؤسّسة جديدة هي مؤسّسة الصّورة التّلفزيونيّة الّتي تؤكّد للمشاهد من خلال الخيال المبدع المغري ما يحمله في نفسه أثرا على ذهنيّة مجتمعه من تفضيل للفعل على الانفعال ومن ثمّ من تفضيل للذّكوريّ على الأنثويّ.
وهذا التّفضيل لا يظهر فحسب في ما يتّجه إلى الأطفال من صور بل يتجاوزها إلى الصّور التّلفزيونيّة المتوجّهة إلى الكبار،فمن الشّائع أنّ كثيرا من الأطفال يشاهدون بعض برامج الكبار التّخييليّة شأن المسلسلات والأشرطة التّلفزيّة والسّينمائيّة.ولا يهمّ إن كانت هذه المشاهدة بموافقة الآباء أو دونها ولا يهمّ إن كانت مشاهدة عرضيّة أو منتظمة ولكنّ المهمّ أنّها لا تقلّ تأثيرا في الطّفل عن البرامج الموجّهة إليه بل لعلّها أشدّ تأثيرا لما هو طبيعيّ لدى الأطفال من تلهّف على ما يمتّ إلى عالم الكبار بصلة.
ومن هذه الزّاوية الاجتماعيّة يبدو لنا أنّ الصّورة لا تؤثّر في المشاهد الطّفل فتنشئ من فراغ تصوّره لسمات جنسه ولسمات الجنس الآخر ولكنّها تتفاعل مع رواسب ذهنيّته الاجتماعيّة تأثّرا وتأثيرا.وهنا يبدو الفرق جليّا بين الصّورة
التّلفزيونيّة نفسها تقدّم في بلاد عربيّة وفي بلاد غربيّة مثلا.ففي الحال الأولى تصادف الصّورة المعياريّة (القائمة على تفضيل الذّكوريّ على الأنثويّ) ذهنيّة اجتماعيّة ساعية نحو تجاوز هذا التّفضيل فلا يكون تأثيرها النّفسيّ شديدا أمّا في الحال الثّانية فإنّ الصّورة ذاتها تصطدم بذهنيّة اجتماعيّة مكرّسة للحكم المعياريّ فتصبح الصّورة لا فحسب مرسّخة للمنظومة القيميّة الاجتماعيّة بل إنّها تنتصب بدورها معيارا قيميّا استنادا إليه يحكم الطّفل على جنسه وعلى الجنس الآخر.
إنّ وعينا بهذه المسألة الشّائكة وبالفروق بين الرّؤية النّفسيّة والرّؤية الاجتماعيّة للهويّة الجنسيّة من خلال الصّورة التّلفزيونيّة،من شأنه أن يحملنا على التّثبّت في نوع الصّور الّتي نقدّمها لأطفالنا.ولئن كانت هذه المسألة عسيرة لأنّنا في مجال الصّورة (وسواها) مستهلكون لا مبدعون،فإنّه يمكننا أن نفكّر في محاورة أطفالنا فيما يشاهدونه من صور وذلك ببيان حدود الصّورة وتركيز بعدها الخياليّ في مقابل الواقع أي إنّ علينا أن نحاول إنشاء ضرب من التّبعيد(distanciation) بين أطفالنا وما يشاهدونه على شاشة التّلفزيون كي ينشأ لديهم حسّ نقديّ يمكّنهم من تجاوز استهلاك الصّورة إلى نقدها من منظور عامّ وكي تتحوّل العلاقة بين الجنسين في تفاعلها بين الصّور والواقع من علاقة صراع التّقابل إلى علاقة سلام الاختلاف.
مفهوم الهويّة الجنسيّة مفهوم حديث يتجاوز تحديد الجنسين وفق الانتماء البيولوجي الطّبيعيّ إلى اعتبار الهويّة الجنسيّة تشكّلا رمزيّا ثقافيّا تنشئه اللغة.ولمّا كانت الصّورة من أبرز وجوه الأنظمة الرّمزيّة الّتي يتعامل معها الطّفل كان من المفيد التّساؤل عن دور البرامج التلفزيونية في تشكيل الهويّة الجنسيّة للطّفل أي في تشكيل تصوّره لسمات جنسه من جهة ولسمات الجنس المقابل من جهة أخرى.وننشد تناول هذه التصوّرات متسائلين عن حدود الطّبيعيّ والثّقافي في نشأة الهويّة الجنسيّة وباحثين في مدى اختلاف تصوّر الجنسين أحدهما للآخر وفق المجتمعات والأزمنة.ولا يمكننا البحث في نشأة مفهومي الذّكوري والأنثوي لدى الطّفل دون الوقوف على مسألة التربية الجنسيّة إن في بعدها التّعليميّ المباشر أو في بعدها النّفسيّ الضّمنيّ الذي يتجسّم في موضع اللاوعي.ولذلك لن يقتصر هذا البحث على البرامج الموجّهة للطّفل على أهمّيتها وسيحاول تجاوزها إلى سائر البرامج التّلفزيونية إذ تثبت الدّراسات أن الأطفال يشاهدون البرامج الّتي لا توجّه في الأصل إليهم وأنّ هذه المشاهدة غير المقصودة أكثر تأثيرا في الطّفل.
د-ألفة يوسف
أستاذة محاضرة بالجامعة التّونسيّة.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire