mardi 23 septembre 2008

ناقصات عقل ودين: بين حرفيّة القانون وروح القانون: الزّنى مثالا



الزّنى مثالا

حيّرتني عند نظري في كتب السنّة والسّيرة مواقف من الرّسول لا تعير كبير اهتمام لإقامة الحدود وتطبيق القانون،وكان منطلق حيرتي التقابل الكبير بين "تسامح" الرسول من جهة وما يقوم عليه الفقه الإسلاميّ لا سيّما المتأخّر من ركيز على الحدود وإعلاء من شأنها.
حيّرني موقف الرّسول الذي أتاه أحد المؤمنين يعلمه بأنّ رجلا متزوّجا قد زنى فقال الرّسول للمُخبِر "لو سترته بردائك لكان خيرا لك".ولاحظت تململا وقلقا واضحين يعتريان جلّ من أخبرتهم بهذا الحديث.ولا شكّ أنّ وراء هذا القلق ما يرتبط في تصوّراتنا الاجتماعية بالعلاقة الجنسيّة مطلقا وخارج إطار الزواج بصفة أخصّ من شحنة أخلاقية بلغ من تجذّرها في المخيال الجماعي أن كاد معنى الفساد مسندا إلى فرد مّا يقتصر على إقامته علاقات جنسيّة خارج
إطار الزواج.
وذكّرنا هذا الفصل من سنّة الرسول -الوارد في كتب الصّحاح المعترف بها- بقصّة شهيرة في الأناجيل تعرض لموقف عيسى المتسامح من امرأة متزوّجة زنت وكان القضاة مقتفين خطاها ليرجموها. فإذا بالمسيح يتصدّى لهم قائلا قولته الشهيرة:"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر".فألقى القضاة جميعهم أحجارهم.
إنّ حديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم وموقف المسيح كليهما يبيّن ظاهريّا خروجا عن القانون المفترض.فقانون المسيحيّة ينهى عن زنى المتزوّج وقانون الإسلام ينهى عن الزّنى عموما،ومن المفترض ليطمئنّ المرء المسلم إلى تطبيق القانون أن يحكم الرّسول على الزّانيين وفق قانون الحدود بالجلد استنادا إلى ما هو وارد في القرآن أو بالرّجم وفق ما تثبته بعض الأحاديث.ولكنّ الرّسول يحوّل موضوع اللوم من الزاني مقترف الذنب المفترض إلى الشاهد
والنّاقل.
قد يكون مردّ هذا التحوّل غياب شرط أساسيّ لتتحقّق "جريمة الزّنى" وهو حضور أربعة شهداء.وهو شرط يعسّر
تطبيق الحدّ على الزّاني إذ يندر أن يقيم شخصان علاقة جنسية بحضور أربعة شهداء فضلا عن أن تكون هذه العلاقة "جريمة" يُعاقب عليها القانون.فهل يعني التّشديد في شرط تطبيق الحدّ على الزّناة موقفا متسامحا من الزّنى أم هل هو وقاية من الوشاية؟ وهل التّشدّد في هذا الشرط تيسير للزّاني أم تشديد على الشّاهد على فعل الزّنى؟
لا يمكن تقديم جواب قطعيّ وقد أسلفنا أن لا جواب قطعيّا.ولكن لننظر في السّببين الممكنين ودلالاتهما على علاقة
الإنسان المسلم بالآخر وبالقانون.
التيسير للزّاني؟:
إذا نظرنا في تقنين القرآن والسنّة للعلاقات الجنسية وجدنا أنّ المواضيع الجنسيّة المباحة أكثر من المواضيع الجنسيّة لمحرّمة.فإذا استثنينا المحارم والمشركين فإنّ سائر المواضيع الجنسية مباحة.فللرّجل أن يتزوّج أربع نساء على الأكثر وليس الزّواج من حيث شروطه الإجرائية عسيرا إذ يكفي وجود شاهدين عدلين ومهر حتى يكتسب عقد الزواج الشّرعية.وقد زوّج الرّسول أحد المسلمين بمهر رمزيّ هو ما يحفظه ذلك الرّجل من القرآن.ويختلف المفسّرون في
تحريم زواج المتعة انطلاقا من قول الله تعالى:"…فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً…"(النّساء4/24)،ويرى بعض الدّارسين أنّ عمر بن الخطّاب هو الّذي حرّم زواج المتعة،وفي هذا الإطار يدرج الطّبري قول عليّ بن أبي طالب:"لولا أنّ عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ".وفي إطار العلاقات الاجتماعيّة الّتي تقبل الرّقّ يكون للرّجل حقّ التّسرّي بما شاء من ملك اليمين وله سبي النّساء في الغزوات
وإن كنّ متزوّجات.ويؤكّد أنس بن مالك أنّه لا يرى بأسا في أن ينزع الرّجل جاريته من عبده.وللرّجل تسريح زوجاته بإحسان متى شاء وتزوّج سواهنّ وفق الشّروط المذكورة.وللمرأة الخلع من زوجها بشرط إرجاع مهره إليه،ولها الزّواج برجل من المسلمين وأهل الكتاب دون المشركين.ولا نجد في القرآن آية صريحة في تحريم علاقة الحرّة بملك يمينها،ولا آية صريحة في تحريم زواج المرأة بأكثر من رجل إذ اختلف المفسّرون في دلالة لفظة "محصنة" في
قول الله تعالى:"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ…وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (النّساء 24/23-).ولكنّنا- درءا للجدل الّذي ليس هدفنا- نأخذ بالتفسير العرفي السّائد الّذي يرى أنّ للمرأة أن تنكح زوجا واحدا يمكنها خلعه متى شاءت.
واضح أنّ إمكانات تحقّق الممارسات الجنسيّة كبيرة جدّا خلافا لما هو الشأن في بعض قراءات الديانة المسيحيّة حيث لا تسرّيَ وحيث لا يحلّ للإنسان أن يحُلّ ما عقده الله أي أن يفصم عرى علاقة الزّواج.ويمكن أن نطرح في هذا المستوى سؤالا عن الفرق بين هذه العلاقات الجنسيّة الكثيرة المباحة والزّنى المحرّم علّنا نتبيّن معنى تحريم الزّنى أو سببه.

لماذا كان الزّنى فاحشة؟:

يعرّف الفقهاء الزّنى بأنّه "عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرّم قطعا".ويمكن أن نعتمد هذا التّعريف ضاربين صفحا عن وجود ضروب عديدة من الممارسات الجنسيّة لا تدخل ضمنه،وهي ممارسات حيّرت الفقهاء وولّدت اختلافات عديدة بينهم.ويبدو واضحا أنّ الفرق بين الزّواج والتسرّي من جهة والزّنى من جهة ثانية ليس في طبيعة
العلاقة الجنسيّة أو سماتها بل في خضوع العلاقتين الأوليين لشروط تنظيميّة وخلوّ العلاقة الثالثة منها،ففي حال التسرّي والزّواج تعلم الجماعة بإمكان قيام علاقة جنسيّة بين شخصين في حين أنّ الجماعة تجهل إمكان قيام علاقة جنسيّة بين لزّانيين.ولذلك فإنّه يجوز في الحالتين الأوليين أن ينسب الطفل إلى أبيه الممكن إذ يؤكّد الرسول صلى الله عليه

وسلّم أنّ "الولد للفراش وللعاهر الحجر".إنّ علاقة الزّنى لقيامها على جهل الجماعة بها قد تنتج أطفالا لا يمكن نسبتهم إلى آبائهم في مجتمع يقوم على دعوة الابن لأبيه،وهي لذلك علاقة من شأنها أن تهدّد النّظام الاجتماعيّ بل من شأنها أن تهدّد القانون الأصليّ الّذي يقوم عليه
الجنس البشريّ وهو قانون منع إتيان المحارم*.فغياب اسم الأب* قد يؤدّي إلى إمكان قيام علاقة جنسيّة بين الأب وابنته أو الأخ وأخته دون أن يعلم كلّ واحد منهما بما يربطه بالآخر من علاقة دم.وهذا الإمكان هو الّذي يفسّر تحريم التّبنّي بمعنى نسبة الابن إلى غير أبيه في حال معرفة ذلك الأب،ذلك أنّ التّبنّي يقيم اسم الأب* على الكذب فيتموضع الأصل في الكذب ويفقد الاسم المنشئ قدرته على إثبات الإنسان منذ البدء في محلّ الصّدق.ولذلك قال الرّسول صلّى
الله عليه وسلّم:"ليس من رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلاّ كفر".

روح القانون:

إنّ قانون تحريم الزّنى إذن لا ينشد تحديد العلاقات الجنسيّة بل هو تفريع من القانون الأصليّ الّذي يمثّل شرط دخول الإنسان في الثّقافة وذلك مهما تكن ديانته أو انتماؤه الاجتماعيّ.وموقف الرّسول من الزّانيين في اختلافه عن الموقف المتشدّد المتوقَّع أي موقف إقامة الحدّ إنّما يجسّم في رأينا تجاوزا للتّطبيق الآليّ للقانون إلى محاولة قراءة القانون أو
إضفاء معنى عليه بالنّفاذ إلى روحه.فتحريم الزّنى ليس هدفا في ذاته وحدّ الزّانيين ليس ردعا للرّدع ولكنّه متّصل بالخشية من اختلاط الأنساب ومن ثمّ خشية إتيان المحارم*. إنّ في موقف الرّسول دعوة إلى التّفكير في القانون الفرعيّ أي تحريم الزّنى في إطار القانون الأصليّ أي تحريم المحارم*،وهو يؤكّد لنا أنّ كلّ القوانين الفرعيّة لا تحكمها الآليّة بل التّفكير وإعمال النّظر ممّا تجسّم تاريخيّا في تفكير عمر في قانون قطع اليد وتعطيله،وفي تحريمه العمرة في أشهر الحجّ وفق تفسير ممكن لروح القانون.والنّاظر في أحاديث الرّسول يرى أنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يكن متسرّعا إلى تطبيق الحدود ولا سبّاقا إلى الرّدع والزّجر،فقد جاء في صحيح البخاري أنّ الرّسول أعرض مرّات
عن رجل قال إنّه زنى،وفي حديث آخر نجد الرّسول يطوّع الحدّ وفق الواقع الّذي يتعامل معه،فقد بال أعرابيّ في المسجد،"فثار إليه النّاس ليقعوا به،فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دعوه وأهريقوا على بوله ذَنوبا من ماء أو سجلا من ماء فإنّما بُعثتم ميسّرين ولم تُبعثوا معسّرين".إنّ محمّدا علم أنّ هذا الرّجل لم يسلك مثل هذا السّلوك بغرض الاعتداء على مقدّسات المسلمين ولعلّه كان مصابا بمرض بدنيّ أو عقليّ فلا داعي لعقابه ما أمكن تنظيف
المكان، وفي حديث آخر جاء رجل إلى الرّسول "فقال:هلكتُ،قال:ولم؟ قال وقعت على أهلي في رمضان قال فأعتق رقبة قال ليس عندي قال فصم شهرين متتابعين قال لا أستطيع قال فأطعم ستّين مسكينا قال لا أجد فأُتي النّبي صلى الله عليه وسلّم بعرق فيه تمر فقال أين السّائل قال ها أنذا قال:تصدّق بهذا قال على أحوج منّا يا رسول الله فوالّذي بعثك بالحقّ ما بين لابَتَيْها أهل بيت أحوج منّا فضحك النبي صلّى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه قال فأنتم إذًا".ولنا أن نقارن في هذا الحديث بين انزعاج الرّجل وهدوء الرّسول ولنا أن نلاحظ تسامح الرّسول الواضحَ،ففي آخر الأمر وقع الرّجل على امرأته في رمضان وتحصّل على غذاء من الرّسول.إنّ محمّدا كان ينظر في خلفيّة القانون وعلاقته بمفهومإلحاق الضّرر بالآخر أي إنّه كان يعطي للقانون معناه،ولم يكن يتسرّع إلى العقاب وتطبيق الحدود باعتبارهما غاية وهدفا.فهو إذن يعلي من شأن القانون الدّاخلي الّذي يجعل الإنسان "السّويّ" في غنى عن إلحاق الضّرر بالآخرين ويقلّل من أهمّية القانون الخارجي الرّدعيّ الّذي لا يفعل شيئا سوى قمع الذّات التي تظلّ حكايتها فرديّة لا يحيط بها أيّ قانون.وهذا التّصوّر من شأنه أن يسمح لعدد كبير من النّاس بأن يتجاوزوا الإحساس بالذّنب المرضيَّ،فلو ضربنا مَثَل اللوطيّ في بلداننا العربية الإسلاميّة اليوم لوجدنا تعامل الأفراد والمؤسّسات معه منافيا لسلوك الرّسول الّذي أسلفنا.فهل يكفي أن تقرع أسماع اللوطي بمواعظ ونصائح أو أن تدعوه إلى تغيير سلوكه الجنسيّ مؤكّدا له أنّه "
شاذّ" وهل يكفي أن ترهّبه بشتّى أنواع العقاب المحتملة في الدّنيا والآخرة حتّى يتحوّل إلى إنسان "طبيعيّ"؟ إنّ الإجابة بنعم تضمر أنّ الإنسان يختار عن وعي أن يكون لوطيّا أي إنّه يختار أن يعيش منبوذا في حين أنّ التحاليل النّفسية بل الجلسات الحميمة تثبت أنّ هؤلاء يودّون الاندماج في المجتمع ولا يستطيعون لأنّ سلوكهم الجنسيّ شأنه في ذلك شأن سائر أنماط السّلوك ليس اختيارا عقليّا منطقيّا كما أراد أن يوهمنا الفكر الوضعيّ.وكم فرد منّا ودّ لو غيّر
بعضا من طباعه انطلاقا من اختيار واع وقرار نهائيّ فإذا بالطّبع لا يتغيّر وإن اتّخذ أشكالا أخرى.إنّ القانون لخارجيّ –سواء أتجسّم في المؤسّسة أم في سلوك الأفراد-لا يؤثّر في الواقع بل يعمّق الإحساس بالذّنب وهو إحساس لا يتلاءم مع روح الإسلام ذلك أنّ الإسلام دين منفتح نحو المستقبل وهذا ما يؤكّده مفهوم التّوبة،فهي ليست فعلا مؤجّلا بل ممارسة يوميّة تمكّن المرء من تصوّر ديناميّ للوجود لا يقف على أطلال الماضي بقدر ما يتطلّع إلى المستقبل في
تفاؤل وحبور منطلقهما الاعتقاد في رحمة الله.أفلم يُغفر لبغيّ من بني إسرائيل لأنّها سقت كلبا كاد يقتله العطش.

نسبيّة القانون:

إنّ القوانين وإن تكن إلهية تظلّ متحوّلة،فالخمر حلال عند المسيحيّين بل هي مقدّسة وهي حرام عند جمهور المفسّرين لمسلمين.وتعدّد الزّوجات مباح في الإسلام في حين أنّه محرّم عند المسيحيّين،وليس هذان سوى مثالين على اختلاف لقوانين الإلهيّة بين دين ودين وهو ما قد يؤكّد أنّ القوانين نسبيّة ما عدا قانون تحريم إتيان المحارم* الّذي يخرج عن كلّ نسبيّة ليكون مطلقا عبر الزّمان والمكان.وحتّى إن افترضنا أنّ اختلاف القوانين هذا مردّه تحريف النّصارى واليهود كلام الله فإنّنا نجد في القرآن نفسه شاهدا على نسبيّة القوانين وتحوّلها،فالله عزّ وجلّ يقول:"فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ

هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا" (النّساء4/160).ويؤكّد الرّازي أنّ الله قد

بدّل الطّيّب الحلال خبيثا محرّما بغرض التّشديد على اليهود وعقابهم عمّا اقترفوه من ذنوب اختلف في تحديدها

المفسّرون.أفلا يجوز أن يكون تحريم الخمر في القرآن بعد السّكوت عنها ناتجا عن ظلم بعض المسلمين الأوائل أنفسهم عند شرب الخمر واعتداء بعضهم على بعضهم الآخر وهم فاقدون لحدود العقل؟.وحينئذ ألا يجوز أن يكون ظلم الإنسان لنفسه منشئا لحدود القانون؟ وألا يجوز أن يكون تقرير الرّسول أنّ المسلم من سلم النّاس من يده ولسانه

تقريرا للفطرة البشريّة السّليمة الّتي يُعدّ كلّ من تجاوزها معتديا في حين أنّ "الله لا يحبّ المعتدين"؟وألم يحن

الأوان ليعي المسلمون الّذين اتّفقوا على منع الرقّ ولم يمنعه الله بنصّ صريح أنّ القانون نسبيّ تاريخيّ ما لم يقم على

اعتداء الإنسان على الإنسان؟

التّشديد على الشّاهد على فعل الزّنى:

ما الّذي يحمل مرءا فطن إلى علاقة جنسيّة بين شخصين أو بين مجموعة من الأشخاص إلى إبلاغ المسؤول عن

القانون (ويمثّله الرّسول في خبرنا المنقول)؟ قد يتّصل السّبب بالمنقول إليه (وهو هنا الرّسول) أو بالموضوع

المنقول (وهو هنا حصول فعل الزّنى).

فوفق الافتراض الأوّل قد يدعو الشّاهد الرّسول إلى تطبيق الحدّ إمّا تزلّفا له أو اختبارا له.وفي حالتي التّزلّف

والاختبار يبدو النّاقل كاذبا إذ ليس همّه القانون في الحالتين بل المسؤول عن تنفيذ بعض بنوده ومعلوم أنّ القانون يسبق

المنفّذ الّذي قد يختلف من نظام حكم إلى نظام حكم آخر.ولمّا كان القانون أصلا دون منفّذه أمكن أن نفهم تجاهل

الرسول لمن اعتبر الفرع العرضيّ دون الأصل الجوهريّ.

ووفق الافتراض الثّاني أي تغليب الموضوع المنقول لا يمكن أن تكون الشّهادة على الزّنى إلاّ ممّن حرّك مشهد الزّانيين

شيئا مّا عميقا في نفسه قد نعدّه غيرة على القانون وسعيا إلى تطبيق الحدّ الشّرعيّ.فهل نتصوّر ناقل مشهد الزّنى إلى

الرّسول صلى الله عليه وسلّم أشدّ حرصا من هذا الأخير على تطبيق الحدّ؟ وهل يعني هذا أنّ الرّسول مقصّر دون

الشّاهد الغيور؟

يمكن أن نتجاوز هذا التّساؤل إذا استندنا إلى التّحليل النّفسيّ* الّذي يبيّن أنّ في موقف النّاقل تعبيرا عن حرج مّا

أحسّ به لا يخلو أن يكون غيرة لاواعية من الزّانيين أو خوفا لاواعيا من أن يزني بعض من يعدّ نفسه مسؤولا عنهم

أي خوفا من أن يهدّد خطر الزّنى أفراد عائلته ولا سيّما الإناث منهم.فكأنّ القانون من خلال هذين الموقفين يمنع شيئا

مرغوبا بالفطرة ممّا يفسّر دافع الغيرة وكأنّ القانون يسعى إلى حماية النّاس من هذا المرغوب بالفطرة وهذا ما يفسّر

دافع الخوف أي كأنّ القانون مقابل للفطرة البشريّة يلجمها ويكبح جماحها.

رؤى المسيحيّة تحكم المسلمين:الحرج من الجنس:

يبدو أنّ تصوّر القانون باعتباره لاجما للفطرة البشريّة يتنافى مع إقرار الله تعالى بأنّه يحلّ لنا الطيّبات ويحرّم علينا

الخبائث،فقد أسلفنا أنّ الرّسول ينظر في القانون نظرة عميقة تراعي روحه.ونحن نرى في مساءلة روح القانون

تحذيرا للمسلمين من أن يحرّموا على أنفسهم طيّبات أحلّت لهم ،يقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ

مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ" (المائدة5/87).وقد سُبقت هذه الآية بقول الله

تعالى:"لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا

نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ منْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وًأًنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ"(المائدة 5/82).وقد ربط الرّازي بين الآيتين معتبرا

أنّ المسلمين مختلفون عن الرّهبان النّصارى. ونحن نرجّح هذا الرّبط ونرى في موقف الرّسول تحذيرا للمسلمين من

أن يقتفوا خطى الفكر الكنسيّ الّذي يقوم على اعتبار الجنس خطيئة الإنسان الأصليّة حتّى يغدو ما يعتبرونه عفّة

(chasteté) أي امتناعا عن أيّ ضرب من ضروب العلاقات الجنسيّة من شروط الانتماء إلى الكنيسة.

وهو تصوّر أعاد النّظر فيه بعض المفكّرين الغربيّين من صلب الكنيسة نفسها.على أنّنا نرى في قراءة بعض المحدثين

لسيرة الرّسول اندراجا -واعيا كان أو غير واع- في هذا الفكر المسيحيّ المتشدّد.فنجد بعض المستشرقين

يعتبرون أنّ خبر زواج الرّسول من زينب بنت جحش عمل لا يلائم مقام النّبوّة فكيف يُعجب الرّسول بجمال امرأة لا

سيّما أنّها زوجة زيد بن الحارثة ابنه بالتّبنّي؟ وآراء هؤلاء "المستشرقين" حملت كتّابا محدثين لينبروا عن الدّفاع

عن الرّسول من "مفتريات المستشرقين".وهم لا يعون أنّهم بدفاعهم ذاك إنّما يقيّمون سلوك الرّسول تقييما سلبيّا ذلك

أنّ المرء لا يدافع عن السلوك الإيجابيّ بل إنّ بعضهم ينفي "كلّ تلك الخيالات والأقاصيص" التي تفيد إعجاب محمّد

بزينب في حين أنّنا نجد في سيرة ابن إسحاق الخبر التّالي:"مرض زيد بن حارثة فدخل عليه رسول الله صلّى الله

عليه وسلّم يعوده وزينب ابنة جحش امرأته جالسة عند رأس زيد،فقامت زينب لبعض شأنها فنظر إليها رسول الله صلّى

الله عليه وسلّم ثمّ طأطأ رأسه فقال:سبحان الله مقلّب القلوب والأبصار،فقال زيد:أطلّقها لك يا رسول الله فقال:

لا،فأنزل الله عزّ وجلّ:" وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ" إلى قوله "وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً"".

ونجد في تفسير الطّبري خبرا مشابها:"حدّثني يونس قال:أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: كان النبيّ قد

زوّج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ابنة عمّه فخرج رسول الله يوما يريده وعلى الباب ستر من شعر،فرفعت الرّيح

السّتر فانكشف،وهي في حجرتها حاسرة،فوقع إعجابها في قلب النّبيّ فلمّا وقع ذلك كُرّهت إلى الآخر،فجاء فقال:يا

رسول الله إنّي أريد أن أفارق صاحبتي،قال:مالك أرابك منها شيء؟ قال:لا والله ما رابني منها شيء يا رسول الله

ولا رأيت إلاّ خيرا،فقال له رسول الله:أمسك عليك زوجك واتّق الله،فذلك قول الله تعالى: "وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ

عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ…"(الأحزاب33/37) تخفي في

نفسك إن فارقها تزوّجتها".

إنّ الطّبري المعروف بجمعه لكلّ الأخبار لم ير داعيا لتنزيه الرّسول من وقوع نظره على زينب وإعجابه بها لما في

ذلك الإعجاب من تلاؤم مع الفطرة البشريّة فليس الرّسول سوى بشر مثلنا يوحى إليه،وليس في اشتهائه امرأة ما يُحرج

ولا ما يعيب إلاّ إذا كان النّاقد أو المبرّر متأثرا بالفكر الكنسيّ يعتبر الجسد موطنا لشهوات شيطانيّة ويتحرّج من

الفطرة الجنسيّة في ذاتها أي بصرف النّظر عن القانون الأصليّ،قانونِ تحريم المحارم* وفرعه اختلاط الأنساب.إنّ

التّصوّر الكنسيّ خطر على الإسلام أدّى إلى الإفراط في تقنين العلاقات الجنسيّة وإلى إطلاق الأحكام "الأخلاقيّة"

جزافا على كلّ من يصرّح برغباته الجنسيّة بل إنّنا ابتعدنا عن التّصوّرات الإسلاميّة فصرنا ندعو إلى الوحدانيّة في

العلاقات الجنسيّة في حين أنّ سلوك جلّنا ينقض هذه الدّعوة،وصرنا نعتبر المزواج إنسانا شاذّا ذا سلوك فاسد، وصرنا

نحكم على من يتزوّج ممّن يصغره سنّا -رجلا كان أو امرأة- في حين أنّ جلّنا يقبل بإقامة علاقة جنسيّة مع ذلك

الأصغر،وننسى أنّ خديجة بنت خويلد تزوّجت محمّدا الّذي يصغرها وننسى أنّ الرّسول لم يغضب من المرأة الّتي

أرادت أن تطلّق زوجها لأنّ معه "مثل هدبة الثّوب" بل إنّه صلى الله عليه وسلّم اكتفى بالضّحك سامحا لها بالرّجوع

إلى زوجها بعد البناء بالزّوج الثّاني،وإنّنا ننسى أنّ الرّسول سمح لامرأة بأن تخلع نفسها من زوجها بعد أن تردّ له

حديقته وليس سبب الطّلاق ممّا يقرّه المجتمع اليوم إذ أنّ المرأة المذكورة لا تعتب على زوجها في دين ولا في خلق

ولكنّها لا تطيقه.

القانون الإله:الجنّة حقّ مكتسب:

إذا عدنا إلى الحديث النّبويّ منطلقِ هذا المقال،تبيّنّا أنّ الشّاهد على الزّنى يتصوّر أنّ الخضوع للقانون وتطبيقه ضامن

للفضيلة أي إنّه يتصوّر تطبيق القانون وحده كافيا لتحقيق رضا الله أو الدّخول إلى الجنّة.فالإنسان الّذي يطبّق القانون

ناج وذاك الّذي يخرج عن القانون غير ناج.ومن خلال هذا التصوّر يغدو القانون هو الإله ويتوهّم الإنسان أنّه

بتضحياته المتواصلة والتزامه المطلق قد حقّق بإرادته الصّورة* المثاليّة المخلّصة الّتي ينشدها.وهي صورة*

تحقّق الاطمئنان الوهميّ وتوهم الإنسان بأنّه هو الفاعل المقرّر فيتحوّل المرء إلى عبادة صورة* نفسه المثاليّة."إنّ

رفض الذّنب لا يُدخل في الإيمان بل إنّه كثيرا ما يعمّق الغرور" فينسى المرء أنّ القانون ليس مرآة وأنّ تطبيقه ليس

ضامنا للفضيلة كما ينسى أنّ الخلاص ليس في تطبيق القانون أو تأليهه ولكنّه في رحمة الله.والرّسول يؤكّد هذا

الموقف إذ يقول:"لن يُدخل أحدا عمله الجنّةَ،قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال لا ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله بفضل

ورحمة".ولا أدلّ على أنّنا ندخل الجنّة برحمة الله من حديث آخر للرّسول "قال كان في بني إسرائيل رجل قتل

تسعة وتسعين إنسانا ثمّ خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال له هل من توبة قال لا فقتله فجعل يسأل فقال له رجل ائت

قرية كذا وكذا،فأدركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه أن

تقرّبي وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينهما فوُجد إلى هذه أقرب بشبر فغُفر له". إنّ هذا الرّجل

الّذي قتل مائة نفس وجد في رحمة الله التي وسعت كلّ شيء المغفرة،وليس من الصّدفة أن وُسمت الجنة في مجازمرسل بليغ ب"رحمة الله" ذلك أنّ رضا الله عنّا ليس حقّا نكتسبه بمحاولة الإعلاء من صورنا عبر مطابقة القانون المفترَض،ولكنّ رضا الله عنّا هبة منه ورحمة يشمل بها من يشاء من عباده.بل لعلّنا في هذا المستوى نرى رأي بعض المفسّرين إذ ينسبون بعض المشيئة إلى المؤمن،ذلك أنّ الله يغفر لمن طلب منه المغفرة صادقا متواضعا يائسا من ذاته آملا في الله.ومن الأحاديث القدسيّة ما يؤكّد هذا الرّأي إذ يقول الله عزّ وجلّ:"أنا عند ظنّ عبدي بي"،ويؤكّد هذا لمعنى حديث قدسيّ آخر مفاده أنّ "رجلين ممّن دخل النّار اشتدّ صياحهما فقال الرّبّ عزّ وجلّ أخرجوهما،فلمّا أُخرجا قال لهما لأيّ شيء اشتدّ صياحكما؟ قالا فعلنا ذلك لترحمنا،قال:إنّ رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا بأنفسكما حيث كنتما
من النّار فينطلقان،فيلقي أحدهما نفسه،فيجعلها عليه بردا وسلاما،ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه،فيقول له الرّبّ عزّ وجلّ

ما منعك أن تُلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول:يا ربّ إنّي لأرجو أن لا تعيدني فيها بعدما أخرجتني،فيقول له

الربّ:لك رجاؤك،فيدخلان جميعا الجنّة برحمة الله".

الطّمع في موضع الله:

إنّ القانون الأصليّ بما يحقّقه من خصاء*(castration) رمزيّ ينقص من تضخّم الذّات ويؤكّد قدرتها

المحدودة،فالطّفل لا يمكن أن يُرضي أمّه رضا كاملا ولا يمكنه -مهما ترتفع منزلته عند الأمّ- أن يحلّ محلّ الأب،ولا

بدّ له أن يتنازل عن نشدان الكلّ لتتحقّق ذاته في موضع جزئيّ مخصوص.إنّ القانون يستفزّ الإنسان في أعمق أعماقه

حتّى يتنحّى عن الطّمع في الكلّ فيكتشف أنّه ليس سوى واحد من آخرين ويتبيّن أنّه مختلف عن أخيه من جهة وأنّه غير

مؤهّل للحكم عليه من جهة أخرى.

وإذا كان خلاص الإنسان متّصلا برحمة الله ثبت لنا أنّ أيّ حكم قطعيّ على الذّات أو على الآخر(وهما شيء واحد)

في علاقتهما بالقانون هو طمع من الإنسان في موضع الله عزّ وجلّ الّذي لا حاكم سواه.وأحد أحاديث الرّسول القدسيّة

يثبت هذا الموقف إذ قال صلى الله عليه وسلّم:"كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين،فكان أحدهما يذنب،والآخر

مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذّنب فيقول له:أقصر،فقال:خلّني وربّي،أبُعثت عليّ رقيبا؟

فقال:والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الجنّة فقبض أرواحهما،فاجتمعا عند ربّ العالمين،فقال لهذا المجتهد:أكنت

عالما بي أو كنت على ما في يدي قادرا؟وقال للمذنب:اذهب إلى الجنّة برحمتي،وقال للآخر:اذهبوا به إلى النّار".

إنّ هذا الحديث القدسيّ يثبت خطر خروج القانون من وظيفته التوسّطيّة( médiatrice) ليتحوّل هدفا في

ذاته بل سلاحا مخيفا في يد كلّ من يدّعي-واعيا أو غير واع- أنّه ظلّ الله في الأرض.ولذلك قال الرّسول صلّى

الله عليه وسلّم:"من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتْله".ولا شكّ أنّ التّواضع الجوهريّ والامتناع عن الحكم على الآخر

يقلق الأنا* الطّامعَ في القدرة والسّيطرة والعاجزَ عن الإقرار بوهم القدرة ذاك.ومن مظاهر هذا القلق ما جرى بين

أبي ذرّ والرّسول من حوار.فقد قال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم:ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثمّ مات على ذلك إلاّ

دخل الجنّة،قال أبو ذرّ:وإن زنى وإن سرق؟ قال الرّسول:وإن زنى وإن سرق،قال أبو ذرّ:وإن زنى وإن سرق؟

قال الرّسول:وإن زنى وإن سرق،قال أبو ذرّ:وإن زنى وإن سرق؟ قال الرّسول:وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذرّ.إنّ موقفي الرّسول وأبي ذرّ من القانون مختلفان،الأوّل يرى القانون وسيلة نسبيّة لتنظيم العلاقات الاجتماعيّةوالثّاني يرى القانون مقياسا لتقييم الذّات البشريّة.الأوّل يكتشف بواسطة القانون أنّه مختلف عن الآخر والثّاني يحكم على الآخر لأنّه مختلف عنه

Aucun commentaire: